الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٥٦ - الأزهري و واجبه الديني و الروحي
و مغاربها نورا، حتى يطمئن العقل الحائر، و يسعد العالم الشقي، و تنعم الإنسانية المعذبة، و تسود كلمة الحق و الخير و الفضيلة، و تعود الحياة سيرتها الأولى. و لم لا يستصغر المشقات في جانب روح الأبد، و راحة الضمير ... لا يأس في الدعوة، فإنه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون، و لا ونى في الهداية، فإنه لا يبني في ميدان الجهاد إلا من لبس إيمانه بظلم، و لا عمل إلا للّه و رسوله، فإن أجدر عمل بالظفر و السداد ما كانت غايته اللّه و رسوله. فإما أن يحيى للدعوة مجاهدا لإظهار كلمة اللّه، و إما أن يموت في ميدانها شهيدا.
أين الأزهري الذي يدعو الناس بخلقه و أدبه و طريقته، إلى ما يدعوهم إليه بقوله و بيانه و حجته؟ .. و هل تكون العظة ذات أثر إلا إذا صدرت من مؤمن عامل بها، و ممن يأمر بالمعروف و لا ينسى نفسه؟ فما أفحم الداعي إلى مكرمة لم يندب نفسه لها و إن كان بليغا منطقيا. على الأزهري أن يدعو الناس بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الحجة البالغة، و الآية المبصرة ...
يأخذ الناس على حسب عقولهم، و يكلمهم بما يؤثر في نفوسهم و يعرض عليه نواحي الجمال في العقيدة الإسلامية، و يبين لهم ما فيها من دعوة إلى الحق و الخير و الجمال و العدالة، و من إعزاز للنفس الإنسانية و سمو بها، و تكريم لقدر الإنسان في الحياة، و ما فيها من ألوان الإصلاح في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و العلم و العمران، و من سماحة في المبادىء و سهولة في التشريع، و يسر في الشعائر، و ما فيها من ديمقراطية عالية، و روحية سامية، و إخاء كريم و عدالة و مساواة و إيثار ضربت بها الأمثال بين الناس.
و عليه أن يضرب لهم الأمثال بالأسلاف الأولين، و ما كان لهم من المواقف الرائعة، و المشاهد الماجدة، و الصفحات الناصعة في كل ميدان ... و أن يفصل لهم المدى الذي بلغته الحضارة الإسلامية و الفكر الإسلامي، و ما كان لهما من آثار بعيدة في النهضة الغربية الحديثة. و أن يعاضد رجال الفكر و الثقافة و الصحافة، و يتخذهم أصدقاء يساعدونه على أداء رسالته الدينية