الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٣٠ - شعلة لا تنطفىء
فيه، و أنشئت مدارس أخرى لتدريس فقه الشافعية و التفسير و الحديث و غيرها.
و لما ولي ملك مصر الظاهر بيبرس البندقداري كان من أمراء دولته الأمير عز الدين أيدمر الحلي، و كانت داره بالقرب من الأزهر، فرعى فيه حرمة الجوار، و استعان بماله و جاهه عند السلطان في عمارته، فجمع بعض ما بددته أيدي الفاطميين من أوقافه، و أمده السلطان بالمساعدة، فعمر الواهي من أركانه، و رفع سقوفه، و بلطه، و فرشه، و أثر فيه آثارا حسنة، حتى عاد حرما آمنا في وسط المدينة. و أنشأ بيلبك الخازندار مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء، و محدثا يتلو الحديث النبوي و يلقي المواعظ و مقرئين للقرآن، و وقف على ذلك الغلات الدارة.
و لما كانت الدراسة معطلة في الأزهر من بدء الدولة الأيوبية فقد أريد إعادة الخطبة فيه، فامتنع قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز من إقامة خطبتين للجمعة، فيه و في الجامع الحاكمي، وفقا لمذهبه، و هو مذهب الإمام الشافعي. فولي السلطان قاضيا حنفيا فأذن في إعادتها، و أخذ بذلك خطوط العلماء. و أعيدت إقامة الجمعة فيه باحتفال عظيم حضره أكابر الدولة، و عاد مسجدا جامعا، و مدرسة عظيمة. و كان هذا الإذن أساسا اعتمد عليه سلاطين المماليك و كبراؤهم في صحة بناء مساجد جامعة كثيرة في القاهرة و غيرها. و عظمت عناية المماليك بالأزهر فجددوه مرارا، و رفعوا حواليه المنارات السامية، و أضافوا إليه بضع عشرة مدرسة، حبست عليها الحبوس الجليلة، و فتحوا أبوابه للعلم، و أجروا على قاصديه الجرايات من الطعام و الحلوى، فقصده الطلاب و العباد من أقاصي البلاد. و بلغ عدد طالبي العلم به سنة ٨١٨ ه نحو سبعمائة و خمسين طالبا من مصريين و مغاربة و أعاجم، و هم عدد عظيم بالإضافة إلى ما كان ينافسه في الشهرة و ينازعه هذه المكرمة، نحو مائة مدرسة و جامع أنشأها سلاطين المماليك