الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٤١ - حول الأزهر و رسالته
تقنعنا نظرة عجلى إلى تاريخ أوروبا بكل ذلك فقد تناست ممالكها في تنازعها كل المثل العليا التي جاء بها دينها و هي لا تزال تتناساها إلى اليوم في نزاعها مع القارات الأخرى.
و قد كفل الإسلام الحرية بما رفع من مقام الإنسان و النظام بما أتى من أحكام الشرع و جعل طاعة اللّه و رسوله و أولى الأمر واجبات نقوم بها و نحن راضون، و بذل النصح لأولي الأمر بأن يترفقوا بالناس، ثم أنه قد جعل الناس كلهم إخوة فكان خير الناس عند اللّه أتقاهم فضمن بذلك حق العامة أمام الخاصة، كل هذا أتى به الإسلام و نزله مبادىء دستورية يستطيع الفقهاء أن يلائموا بينها في بيئاتهم و بذلك كفل للإنسان أن يتقدم دائما. و لسنا نرى تقدما أرشد من هذا الذي يقوم على مثل المبادىء، على أن التوفيق بينها أجمعين كان دائما أس التقدم عند دول الإسلام. يقول النفسيون: إن الإنسان لا يبلغ حدا من الكمال إلا إذا وازن بين القوى و الملكات التي يكسبها، و قد ذهب الى ذلك أفلاطون و قال مثل ذلك قوم آخرون قبل أن يدرس علم النفس، لكن التوازن بين قوى الإنسان و ملكاته أصبح حقيقة علمية في العصر الحديث و ينشأ كثير من أنواع الجنون إذا اختل هذا التوازن بل نحسب أن الانسجام محبب إلى النفس من الوجهة الجمالية و قد حاول كثير من الفلاسفة- و قد كانوا موفقين- أن يبحثوا في مثل هذا التوازن في المجتمع و يحدث جنون الفرد إذا هو أفرط في الأخذ بفكرة من الأفكار أو خيال من الخيالات و كذلك يحدث جنون الجماعة إذا هي أخذت بمبدأ واحد تمادت فيه- مهما كان هذا المبدأ سليما، و ما نظن إلا أن الإسلام كفيل بأن يؤلف بين كل تلك المبادىء فيرسل الانسجام فيها إرسالا.
ثم خلص من تلك الى أن رسالة الأزهر هي نشر رسالة التقدم الروحي و الفكري و الاجتماعي في البلاد الإسلامية.