الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٩ - حول الأزهر و رسالته
عليه إذا كان له إليه سبيل، و لا أدري ما يمنع هذا من العقل و السمع، و كون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمه عليه، و كان (صلى اللّه عليه و سلّم) يحب ما يخف على أمته».
و ورث الأزهر فكرة كان لها أثر خطير في انحرافه عن سبيل التفكير الصحيح و تقدير الآراء بقيمتها العلمية: هي خطة المعاداة لطائفة من العلماء نضجت عقولهم و أدركوا أسرار الشريعة، و خالفوا الناس في كثير مما درجوا عليه، و تحرروا من الإغلال التي قيد المقلدون بها أنفسهم، حكم الأزهر عليهم بأحكام جائرة، و شكك في تدينهم و إخلاصهم و آرائهم، و شوهوا في الكتب و على ألسنة الدعاة بغير حق، و جعل ذلك سبيلا إلى رفض العمل بآرائهم، و عدم الاعتداد بأفكارهم فصرفت الأنظار عنهم، و صرنا نسمع من أسباب رفض الرأي: هذا رأي ابن تيمية، و ابن تيمية ضال مضل، و هذا قول ابن القيم تلميذه، كما يقال: هذا رأي الزمخشري و هو معتزلي، أو ابن رشد و هو فيلسوف ... و هكذا، كأن هؤلاء ليسوا من أهل العلم، و لا من رجال البحث أو كأن الحق وقف على طائفة من الناس لا يعدوها ..
و أخيرا ورث الأزهر في ذلك العهد: القول بتحريم الاشتغال بالعلوم العقلية و الرياضية و أخذ يحارب المشتغلين بها جيلا من الزمن، و لعل من الطريق في ذلك أن نشير إلى الاستفتاء الذي تقدم به بعض الناس إلى الشيخ الانبابي شيخ الجامع الأزهر، و إلى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد البنا سنة ١٣٠٥ ه يسألون فيه: هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية، مثل الهندسة و الحساب و الهيئة و الطبيعيات و غيرها من سائر المعارف؟ و هل يجوز قراءتها كما تقرأ العلوم الآلية من نحو و غيره في الجامع الأزهر؟
هذه هي التركة المثقلة التي خلقتها العصور المظلمة، و احتملها الأزهر في طور مرضه الشديد كعقائد دينية، و واجبات يرى أن يتمسك بها