الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٧ - حول الأزهر و رسالته
٥- تغلبت روح التعصب المذهبي الشديد، حتى وصل الأمر في ذلك بين أتباع الأئمة إلى المناقشة في صحة الاقتداء بالمخالف في المذهب، و أخذت هذه المسألة في كل مذهب مجالا واسعا في البحث و التفريع، و وصل الأمر أيضا إلى البحث عن حكم التزوج من الشافعية، فترى الكمال بن الهمام و هو في الكلام على حكم التزوج بالوثنيات ينقل عن أحد علماء الحنفية: أنه لا تجوز المناكحة بين أهل السنة و الاعتزال، ثم يقول بعد هذا النقل: «و مقتضاه منع مناكحة الشافعية»، و اختلف فيها هكذا: قيل يجوز، و قيل يتزوج بنتهم و لا يزوجهم بنته». و ترى أثر هذه النزعة في حكم الحاكم بحل متروك التسمية عمدا، و في حكم العقد الذي يشترط فيه بعض المذاهب ما لا يشترط البعض الآخر .. و هكذا وصل التعصب المذهبي إلى مثل هذا الحد، و صارت المذاهب بين المسلمين- و بين أبناء الأزهر- أديانا يتقاتل أهلها، و يضلل بعضهم بعضا، و هي لا تخرج عن أنها آراء و أفهام حذر أئمتها الأولون من تقليدها و العمل بها دون الاطمئنان إليها بمعرفة الحجة و البرهان.
٦- تغلبت الفكرة القائلة بتحريم تقليد غير المذاهب الأربعة، فحجروا واسعا، و منعوا رحمة اختص اللّه بها هذه الأمة، و لقد ظهرت هذه الفكرة على وجه أوضح منذ عهد قريب، يوم وضع الأستاذ الشيخ المراغي، مشروع الزواج و الطلاق، فقام ثلاثة من علماء الأزهر بعمل مذكرة تناهض هذا المشروع، و تبني مناهضتها على أنه لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة فكتب المراغي مذكرة قيمة، لها خطرها في التوجيه الفقهي و التشريعي، بين فيها كثيرا من مسائل الاجتهاد و التقليد، كما بين آراء العلماء في تأثر الفقه بالعرف و العادة، و يجدر بنا في هذا المقام أن نعلم أن العلماء الذين تناولوا هذه المسألة قديما و استساغوا أن يحكموا بمنع تقليد غير الأربعة لم ينظروا إلى خصوصية في ذات المذاهب الاربعة، و إنما جعلوا مناط التقليد على وجه العموم الثقة بالمذهب الذي يقلد، و اطمئنان النفس إلى صحة النقل