الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٧٥ - ابن السّبكى
الملاطفة و تسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقا، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات اللّه».
و يرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجا تربويا راشدا حين يقول:
«و حق عليه أن يحسن إلقاء الدرس و تفهيمه للحاضرين، ثم أن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم و يأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق و إن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». و تتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة و الإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش و تحديد اختصاصاته يقول: «و من قبائح ديوان الجيش الزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة. و الفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، و هو أمير نفسه».
و بعد ... ألا تعتقد معي أيها القارىء الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، و كعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.
و كان طبيعيا بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم و أخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل و مصير أسرته للزوابع و الأعاصير. فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» و تجري له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة. و لكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن و الشدائد ما لم يجر على قاض قبله. و حصل له من المناصب و الرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، و إبان في أيام محنته عن شجاعة و قوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، و صفح عمن قام عليه».