الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٣ - حول الأزهر و رسالته
دون أن يسهر على تطبيقها ... و هذا التطبيق لا يخص سلوك الفرد في نفسه، أو في أماكن عبادته و كفى، لأن قانون الإسلام، الذي هو موضوع التطبيق، لا يعرف هذا الفصل بين الدين و شئون الحياة، بل إن قواعده العملية تمتد إلى جميع ميادين النشاط الاقتصادي و الأخلاقي، في حياة الفرد، و الأسرة. و الأمة، بل في حياة الجماعة الإنسانية كلها.
و قد عنى الأزهر- إلى جانب تكوينه لأسرة التدريس- بتخريج جماعة من المصلحين الاجتماعيين، ليكونوا في صلة دائمة بالشعب، و يتجهوا إليه بإرشاداتهم في كل مناسبة. و لدى الأزهر منهم الآن أكثر من ٢٥٠ واعظا، موزعون توزيعا متناسبا بين العاصمة و سائر الأقاليم، و إن «العدالة» و «الأمن» لمدينان أعظم الدين لجميل نصائحهم التي يوجهونها إلى الجماهير، و إلى الأسوة الحسنة التي يقدمونها لهم في سيرتهم الشخصية، و إلى طرق الإصلاح التي يمهدونها لهم في المنازعات، كما تشهد بذلك السجلات الرسمية. و في الوقت نفسه نجد في الأزهر لجنة دائمة من العلماء تتلقى المكاتبات من كل سائل، عما أشكل عليه من أحوال السلوك و شئون المعاملات، و تجيبه بما يزل شبهته، و ينير له السبيل السوي.
و من وراء ذلك كله- و فوق كل هذه الخدمات الجليلة- يتمتع الأزهر بسلطة معنوية أكثر عمقا، و أبعد حدودا، يستعملها في توجيه المجتمع الإسلامي، لا في مصر وحدها، بل في سائر البلاد الإسلامية. و هاهنا أيضا لا تعوزنا الشواهد لإبراز هذه الحقيقة. فلقد أتى على عرش مصر لحظة من الزمن، في سنة ١٨٠٥ م، كان فيها يبدو مترددا بين «خورشيد» و «محمد علي». فكان الثقل الذي وضعه نفوذ الأزهر هو الذي رجح كفة الميزان في جانب محمد علي، و وضع الباب العالي أمام الأمر الواقع في اختياره واليا على مصر. و في سنة ١٩١٩ كان الأزهر هو المنبر الذي ارتفع منه أقوى صوت في المطالبة بإلغاء الحماية الانجليزية، و كان حرم الأزهر هو المهد الذي ولدت فيه الوحدة التي لا تنفصم عراها بين أقباط مصر