الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٢ - الأزهر حصن العربية
دعاءهم في المسجد، و نظامهم في البيت، و منهاجهم في العمل، و دستورهم في الحكومة، فسري هدية منهم مسرى الروح، و جري وحية فيهم مجرى الطبع، و أثر في ألسنتهم و أفئدتهم و أنظمتهم تأثيرا لم يؤثره كتاب سماوي آخر في أهله و من هنا كانت ثقافة الإسلام قائمة على ركنين أساسيين هما الدين بعلومه المختلفة و اللغة بفنونها المعروفة، و هذان الركنان يشد احدهما الآخر و يمسكه، فالإسلام بغير العربية ينبهم و يضمحل، و العربية من غير الإسلام تنكمش و تزول، و اللغات السامية مدينة ببقائها للدين، فلو لا اليهودية ما بقيت العبرية، و لو لا المسيحية ما بقيت السريانية، و لو لا الإسلام ما بقيت العربية، و لكن الفرق بين بقاء العربية و بقاء العبرية و السريانية هو الفرق بين الروح و الذماء أو بين العين و الأثر. و الأزهر و هو وارث النبوة و حامي العقيدة و ناشر الدعوة لا يمكن أن تقوم رسالته إلا على هذين الركنين، و قد أداها بتأييد اللّه و توفيقه تأدية أحلته من العالم الإسلامي كله محل الزعامة.
على أن فضله على علوم القرآن و علوم اللسان قد يشاركه فيه بالكثير أو بالقليل طائفة من المدارس و الجوامع أنشأها السلاطين في القاهرة و دمشق و حلب و بغداد و النجف و قرطبة و القيروان و الزيتونة، كالناصرية و القمحية و الصلاحية و المؤيدية و المنصورية و الشيخونية و الظاهرية و الكاملية و النظامية؛ و لكن هذه المدارس التي عفى على أكثرها الزمن لم تستطع في حياتها منفردة أو مجتمعة أن ت (اول الأزهر فضله الخالد على اللغة العربية في بقائها لسانا للعلم و رباطا للمسلمين إلى اليوم.
تحيفت الخطوب السود لغة القرآن في محنتين أشفت فيهما على الموت لو لا أن تداركها اللّه بفضله: محنة الغزو المغولي في منتصف القرن السابع حين انتكث فتل العباسيين في العراق بتنافس الفرس و الترك، و تحارب الشيعة و السنة، و ذهاب جلال الخلافة من النفوس، فقوص هولاكو عرشها سنة ٦٥٦ ه، و تضعضع أمر الأمويين في الأندلس بتغلب