ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٤٢ - الباب الأربعون الأصوات و الألحان في الشعر و القرآن، و ما جاء في الغناء من التحليل و التحريم، و ما اتصل بذلك
و لقد صدق الفاسق فإن القراءة بالتطريب من باب الاغتناء فقلبوه من الأبيات فلحنوا القرآن تلحينا، و لقنوه الفتيان تلقينا، حتى اتخذه قصاص السوء مكسبة و متسوقا، و إلى صرف العامة إليهم متسلقا، ففتنوا به ضعفة الدهماء [١] و جهلة الرجال و النساء، فإذا قالوا: ما أطيب كلام اللّه!فهو لطيب الأغنية لا لصحة العقيدة و صدق النية.
٩٥-و عن الهيثم [٢] : استقرأني الوليد [٣] فقرأت، ثم طلب مني الغناء فتغنيت، فقال: قراءتك أطيب من غنائك، و إنما حكم بطيبها من أجل تطريبها.
٩٦-و حكى إسحاق الموصلي عن أبيه إبراهيم أنه غنى الهادي صوتا أطربه فقال: سل ما شئت، فقال: تقطعني عين مروان بالمدينة، فقال:
يا غلام جأ عنقه [٤] ، يا جاهل!أردت ويلك أن تشيع في الناس أنك غنيتني فاقطعتك على الغنائم [٥] !ثم قال لوزيره: أدخل هذا الجاهل الخزانة فأعطه ما شاء [٦] .
٩٧-كان يقول حماد بن إسحاق الموصلي: أول من وصله الرشيد حين استخلف جدي إبراهيم [٧] ، و ذلك أنه قال:
[١] الدهماء: العامة من الناس، الأوباش.
[٢] الهيثم: هو الهيثم القاري. تقدمت ترجمته.
[٣] الوليد: هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، الخليفة الأموي، ولي الخلافة سنة ١٢٥ هـ و قتل سنة ١٢٦ هـ. قتله عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.
[٤] جأ عنقه: أضربها. و الفعل وجأ.
[٥] الغنائم: أراد ما أصاب بنو العباس من أموال بني أمية.
[٦] راجع الخبر في كتابنا «طرائف الأصفهاني في كتاب الأغاني» فالرواية فيه فيها اختلاف في بعض الألفاظ.
[٧] رواية الأغاني عن حماد عن أبيه قال: أول جائزة خرجت لشاعر من الرشيد لما ولي الخلافة جائزة لأبي، فإنه قال يمدحه لما وليّ الخلافة: و قال البيتين و فيهما اختلاف في بعض الألفاظ.