ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٣٩ - الباب الأربعون الأصوات و الألحان في الشعر و القرآن، و ما جاء في الغناء من التحليل و التحريم، و ما اتصل بذلك
اللّه أ فيها سماع [١] ؟قال: نعم، و الذي نفسي بيده إن اللّه ليوحي إلى شجرة الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلوا أنفسهم بذكري عن المعازف و المزاهر [٢] و المزامير، فتسمعهم أصواتا ما سمع الخلائق مثلها قط بالتسبيح و التقديس.
٨٦-كان عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي عمار الجشمي القارئ [٣]
ينزل مكة، فسمي القس من عبادته و زهده، ثم استهيم بمغنية من مولدات مكة اسمها سلامة [٤] حتى نسبت إليه، فقيل لها سلامة القس، و له فيها:
[١] قوله: أ فيها سماع: أي غناء.
[٢] المزاهر: جمع مزهر و هو العود، من آلات الطرب.
[٣] عبد الرحمن بن عبد اللّه القارئ: هو، كما سماه أبو الفرج في الأغاني، عبد الرحمن بن أبي عمار (نسبه إلى جدّه) من بني جشم بن معاوية، خبره مع سلاّمة مشهور ذكره أبو الفرج في الأغاني فقال:
سمع غناءها على غير تعمد منه فبلغ منه كل مبلغ فرآه مولاها فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟فأبى، فقال مولاها: أنا أقعدها في موضع تسمع غناءها و لا تراها، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها فأعجبه فقال له، هل لك في أن أخرجها إليك، فأبى، فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فتغنّت فشغف بها و شغفت به، و عرف ذلك أهل مكة، فقالت له يوما: أنا و اللّه أحبّك، قال: و أنا و اللّه أحبك.
قالت: و أحب أن أضع فمي على فمك. قال: و أنا و اللّه أحب ذاك، قالت: فما يمنعك؟فو اللّه إن الموضع لخال. قال: إني سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتّقين. و أنا أكره أن تكون خلّه ما بيني و بينك تؤول إلى عداوة، ثم قام و انصرف، و عاد إلى ما كان عليه من النسك.
راجع كتابنا «طرائف الأصفهاني في كتاب الأغاني» .
[٤] سلامة: هي سلامة القسّ، مغنية شاعرة من مولدات المدينة، أخذت الغناء عن معبد و طبقته فمهرت في الغناء و حذقت الضرب على الأوتار و قالت الشعر الكثير شغف بها عبد الرحمن الذي تقدم ذكره آنفا، و كان من قرّاء مكة، لقّب بالقس لكثرة عبادته فنسبت إليه و غلب عليها لقبه سمع بها يزيد بن عبد الملك فاشتراها فانتقلت معه إلى دمشق و بقيت عنده إلى أن توفّي، و لها شعر في رثائه، و أدركت مقتل الوليد ابن يزيد و توفيت نحو سنة ١٣٠ هـ.
راجع تفاصيل حياتها في كتابنا «أخبار المغنين و المغنيات في الجاهلية و الإسلام» ص ١٤٦ طبعة دار الكتاب اللباني.