ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٠٤ - الباب الثامن و الثلاثون الصبر، و الاستقامة، و ضبط النفس عند الشهوات
و لئن كنت الجوارح أبليت لقد عافيت، و عزتك لو قطعتني إربا إربا لم أزد لك إلاّ حبا.
٧٠-أوحى اللّه إلى داود عليه السّلام: تخلّق بأخلاقي، و إن من أخلاقي أنّي أنا الصبور، فاصبر على الأيام صبر الملوك.
٧١-قدم على الوليد [١] وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله و ذهاب عينه، فقال: بت ليلة في بطن واد و لا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي فطرقنا [٢] سيل، فذهب بما كان لي من أهل و مال و ولد، غير صبي صغير و بعير و كان صعبا فنفر، فوضعت الصبي عن منكبي و تبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبي، فرجعت إليه و رأس الذئب في بطنه يأكله. فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني [٣] برجله فحطم وجهي، فذهبت عيناي. فأصبحت لا عين و لا أهل و لا مال و لا ولد.
فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه فيتسلّى.
٧٢-الجاحظ: ليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد و مطاولة الأيام صبر الملوك.
٧٣-و عن حسن الخادم [٤] أشهد لكنت مع الرشيد و هو متعلق بأستار الكعبة بحيث يمس ثوبي ثوبه و يدي يده و هو يقول في مناجاته: اللهم إنّي استخيرك في قتل جعفر [٥] ، ثم قتله بعد ذلك بست سنين.
[١] الوليد: هو الوليد بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي. توفي سنة ٩٦ هـ.
[٢] طرقنا سيل: أتانا ليلا.
[٣] نفحت الدابة الرجل: ضربته بحدّ حافرها.
[٤] حسن الخادم: هو خادم الرشيد، ذكره الطبري في حوادث سنة ١٨ هـ و سمّاه الحسن الكبير الخادم، و يسمّى أيضا الحسن الحاجب.
[٥] جعفر: هو جعفر بن يحيى البرمكي وزير الرشيد. تقدمت ترجمته.