التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
عنه أنّه فعل. و جائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكروه في تأويل الكلمات، و جائز أن تكون بعضه، لأنّ إبراهيم- صلوات اللّه عليه- قد كان امتحن فيما بلغنا بكلّ ذلك، فعمل به و قام فيه بطاعة اللّه و أمره الواجب عليه فيه. و إذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى اللّه بالكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء، و لا عنى به كلّ ذلك إلّا بحجّة، يجب التسليم لها من خبر عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أو إجماع من الحجّة، و لم يصحّ في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، و لا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنّه روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في نظير معنى ذلك خبران لو ثبتا، أو أحدهما، كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. أحدهما ما:
[٢/ ٣١٨٦] رواه أبو كريب، بالإسناد إلى سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يقول: أ لا أخبركم لم سمّى اللّه إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنّه كان يقول كلّما أصبح و كلّما أمسى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ ... حتّى يختم الآية.
و الآخر منهما ما:
[٢/ ٣١٨٧] رواه بالإسناد إلى أبي أمامة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال:
أ تدرون ما وفّى؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: وفّى عمل يومه أربع ركعات في النهار».
قال أبو جعفر: فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيحا سنده، كان بيّنّا أنّ الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم فقام بهنّ هو قوله كلّما أصبح و أمسى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ. أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته، كان معلوما أنّ الكلمات التي أوحي إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهنّ أن يصلّي كلّ يوم أربع ركعات. غير أنّهما خبران في أسانيدهما نظر.
و الصواب من القول في معنى الكلمات التي أخبر اللّه أنّه ابتلي بهنّ إبراهيم ما بيّنّا آنفا.
و لو قال قائل في ذلك: إنّ الذي قاله مجاهد و أبو صالح و الربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله و غيرهم، كان مذهبا، لأنّ قوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً و قوله: وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ و سائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر اللّه أنّه ابتلي بهنّ إبراهيم.[١]
[١] الطبري ١: ٧٢٩- ٧٣٦.