التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
التعارف جرى في استعمال الحذف و الاختصار في المحبّة دون الإرادة، و إن كان المعنى واحدا، و قد ذكر أنّ لقولهم: زيد يحبّ عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأنّ اللّفظ الأوّل ينبئ عن أنّه لا يريد إلّا منافعه، و أنّه لا يريد شيئا من مضارّه. و الثاني لا يدلّ على ذلك، فجعلت له مزية. و على هذا المعنى نصف اللّه بأنّه يحبّ أولياءه المؤمنين من عباده، و المعنى فيه: أنّه يريد لهم ضروب الخير من التعظيم و الإجلال و النعم، فأمّا وصف أحدنا بأنّه يحبّ اللّه، فالمعنى فيه: أنّه يريد تعظيمه و عبادته و القيام بطاعته، و لا يصحّ المعنى الّذي ذكرناه في محبّة بعضهم بعضا، لاستحالة المنافع عليه تعالى. و من جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنّه باعتقاده ذلك فيه قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبّته في الحقيقة لا تتعلّق و لا تتوجّه إليه، كما نقول في أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غير اللّه تعالى.
فأمّا الفائدة في إعطاء المال مع محبّة اللّه، فهي ظاهرة، لأنّ إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه اللّه و عبادته و طاعته، استحقّ به الثواب، و متى لم يقترن به ذلك لم يستحقّ الفاعل به ثوابا و كان ضائعا. و تأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال و الضنّ به، لأنّ المحبّ للمال الضنين به متى بذله و أعطاه و لم يقصد به الطاعة و العبادة و القربة لم يستحق به شيئا من الثواب، و إنّما يؤثّر حبّه للمال في زيادة الثواب متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة و العبادة. و لو تقرّب بالعطيّة و هو غير ضنين بالمال و لا محبّ له لا يستحق الثواب.
و هذا الوجه لم نسبق إليه في هذه الآية، و هو أحسن ما قيل فيها.
و قد ذكر وجه آخر و هو أن يكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ أيضا و ينتصب ذوي القربى بالحبّ، و لا يجعل لآتى منصوبا، لوضوح المعنى، و يكون تقدير الكلام: و أعطى المال في حال حبّه ذوي القربي و اليتامى، على محبّته إيّاهم.
و هذا الوجه ليس فيه مزيّة في باب رجوع الهاء الّتي وقع عليها السؤال، و إنّما يتبيّن ممّا تقدّم، بتقدير انتصاب ذوي القربى بالحبّ، و ذلك غير ما وقع السؤال عنه و الأجوبة الأول أقوى و أولى.
فأمّا قوله: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ففي رفعه وجهان؛ أحدهما: أن يكون مرفوعا على المدح، لأنّ النعت إذا طال و كثر رفع بعضه و نصب بعضه على المدح، و يكون المعنى: و هم الموفون بعهدهم. قال الزجّاج: و هذا أجود الوجهين.