التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
و الوجه الآخر: أن يكون معطوفا على مَنْ آمَنَ و يكون المعنى: و لكنّ ذا البرّ و ذوي البرّ المؤمنون و الموفون بعهدهم.
فأمّا نصب الصابرين ففيه وجهان؛ أحدهما: المدح، لأنّ مذهبهم في الصفات و النعوت إذا طالت، أن يعترضوا بينهما بالمدح و الذمّ، ليميّزوا الممدوح أو المذموم و يفردوه، فيكون غير متّبع لأوّل الكلام. من ذلك قول الخرنق بنت بدر بن هفّان:
|
لا يبعدن قومي الّذين هم |
سمّ العداة و آفة الجزر |
|
|
النّازلين بكلّ معترك |
و الطّيّبين معاقد الأزر |
|
فنصبت ذلك على المدح و ربما رفعوهما جميعا على أن يتّبع آخر الكلام أوّله. و منهم من ينصب النازلين و يرفع الطيّبين، و آخرون يرفعون النازلين و ينصبون الطيّبين. و الوجه في النصب و الرفع ما ذكرناه. و من ذلك قول الشاعر أنشده الفرّاء:
|
إلى الملك القرم و ابن الهمام |
و ليث الكتيبة في المزدحم |
|
|
و ذا الرّأي حين تغمّ الأمو |
ر بذات الصّليل و ذات اللّجم |
|
فنصب ليث الكتيبة و ذا الرأي على المدح .. و أنشد الفرّاء أيضا:
|
فليت الّتي فيها النجوم تواضعت |
على كلّ غثّ منهم و سمين |
|
|
غيوث الحيا في كلّ محل و لزبة |
أسود الشّرا يحمين كلّ عرين |
|
و ممّا نصب على الذمّ قوله:
|
سقوني الخمر ثمّ تكنّفوني |
عداة اللّه من كذب و زور |
|
و الوجه الآخر في نصب الصابرين: أن يكون معطوفا على ذوي القربى، و يكون المعنى: و آتى المال على حبّه ذوي القربى و الصابرين. قال الزجاج: و هذا لا يصلح إلّا أن يكون الموفون رفعا على المدح للمضمرين، لأنّ ما في الصلة لا يعطف عليه بعد العطف على الموصول، و كان يقوّي الوجه الأوّل.
و أمّا توحيد الذكر في موضع و جمعه في آخر، فلأنّ مَنْ آمَنَ لفظه لفظ الوحدة، و إن كان في المعنى للجمع، فالذكر الّذي أتى بعده موحّدا يجري على اللفظ، و ما جاء من الوصف بعد ذلك على سبيل الجمع مثل قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ و الصَّابِرِينَ، فعلى المعنى.