التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٤ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
اللّه في ذلك، و بيّن أنّ ذلك ليس من البرّ؛ إذ كان منسوخا بشريعة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّتي تلزم الأسود و الأبيض و العربيّ و العجميّ و أنّ البرّ هو ما تضمّنته الآية.
فأمّا إخباره بمن، ففيه وجوه ثلاثة:
و ذا البرّ، و جعل أحدهما في مكان الآخر، و التقدير: و لكنّ البارّ من آمن باللّه و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً[١] يريد غائرا و مثل قول الشاعر:
|
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت |
فإنّما هي إقبال و إدبار |
|
أراد أنّها مقبلة مدبرة. و مثله:
|
تظلّ جيادهم نوحا عليهم |
مقلدة أعنتها صفونا |
|
أراد نائحة عليهم. و مثله قول الشاعر:
|
هريقي من دموعهم سجاما |
ضباع و جاوبي نوحا قياما |
|
و الوجه الثاني: أنّ العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر و الفعل، و عن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ[٢] و قول العرب: إنّما البرّ الّذي يصل الرحم و يفعل كذا و كذا. و أمّا إخبارهم عن الاسم بالمصدر و الفعل فمثل قول الشاعر:
|
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى |
و لكنّما الفتيان كلّ فتى ندّ |
|
فجعل أن تنبت، و هو مصدر، خبرا عن الفتيان.
و الوجه الثالث: أن يكون المعنى: و لكنّ البرّ برّ من آمن، فحذف البرّ الثاني و أقام الأوّل مقامه، كقوله تعالى: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ[٣] أراد حبّ العجل. قال الشاعر:
|
و كيف تواصل من أصبحت |
خلالته كأبي مرحب |
|
أراد: كخلالة أبي مرحب. و قال النابغة:
|
و قد خفت حتّى ما تزيد مخافتي |
على وعل في ذي المطارة عاقل |
|
أراد على مخافة وعل. و تقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق أي أهل الطريق. و حكي عن
[١] الملك ٦٧: ٣٠.
[٢] البقرة ٢: ١٧٧.
[٣] البقرة ٢: ٩٣.