التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
اللّه و خالصا لوجهه. قال المرتضى- قدس اللّه روحه-: لم نسبق إلى هذا الوجه في هذه الآية. و هو أحسن ما قيل فيها؛ لأنّ تأثير ذلك أبلغ من تأثير حبّ المال، لأنّ المحبّ للمال الضنين به متى بذله و أعطاه و لم يقصد به القربة إلى اللّه تعالى، لم يستحقّ شيئا من الثواب، و إنّما يؤثّر حبّه للمال في زيادة الثواب متى حصل قصد القربة و الطاعة. و لو تقرّب بالعطيّة و هو غير ضنين بالمال و لا محبّ له لا يستحقّ الثواب[١].
*** و هذا الّذي ذكره أبو عليّ الطبرسي رحمه اللّه مقتبس من تحقيق جامع حول الآية، أورده السيد المرتضى علم الهدى- قدّس اللّه روحه- في أماليه، فلنذكره بنصّه:
قال: إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ إلى قوله:
وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فقال:
كيف ينفي كون تولية الوجوه إلى الجهات، من البرّ؟ و إنّما يفعل ذلك في الصلاة، و هي برّ لا محالة. و كيف خبّر عن البرّ بمن؟ و البرّ كالمصدر، و من اسم محض!
و عن أيّ شيء كنّى بالهاء في قوله: وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ. و ما المخصوص بأنّها كناية عنه، و قد تقدّمت أشياء كثيرة؟
و على أيّ شيء ارتفع الْمُوفُونَ؟ و كيف نصب الصَّابِرِينَ و هو معطوف على الْمُوفُونَ.
و كيف وحّد الكناية في موضع و جمعها في آخر، فقال: من آمن، و آتى المال، و أقام الصلاة. ثمّ قال: و الموفون، و الصابرين؟
فقال في الجواب: يقال له فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما: أنّه أراد تعالى، ليس الصلاة هي البرّ كلّه، و لكنّه عدّد ما في الآية من ضروب الطاعات و صنوف الواجبات، فلا تظنّوا أنّكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره و حزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه و أكثره.
و الجواب الثاني: أنّ النصارى لمّا توجّهوا إلى المشرق، و اليهود إلى بيت المقدس، و اتّخذوا هاتين الجهتين قبلتين، و اعتقدوا في الصلاة إليها أنّهما برّ و طاعة، خلافا على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أكذبهم
[١] مجمع البيان ١: ٤٨٧.