التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - أبدان مثالية أم حواصل طيور؟
طير[١]، و هو أكثر ما جاءت الرواية، لا سيّما مع قوله: تأوي إلى قناديل تحت العرش.
قال: و استبعد بعضهم هذا، و لم ينكره آخرون، و ليس فيه ما ينكر، و لا فرق بين الأمرين، بل رواية طير أو جوف طير أصحّ معنى، و ليس للأقيسة و العقول في هذا حكم، و كلّه من المجوّزات، فإذا أراد اللّه أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أو أجواف طير أو حيث يشاء، كان ذلك و وقع و لم يبعد، لا سيّما مع القول بأنّ الأرواح أجسام[٢].
قلت: و هذا هو التحجّر الأشعري البحت، المتنافي مع شريعة العقل المتفتّحة؟!
*** و قال أبو عليّ الطّبرسيّ: لمّا أمر اللّه سبحانه بالصبر و الصلاة للازدياد في القوّة (قوّة الإيمان) بهما على الجهاد، قال: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ. فنهى أن يسمّى من قتل في الجهاد أمواتا، بل أحياء. و فيه أقوال:
أحدها- و هو الصحيح-: أنّهم أحياء على الحقيقة إلى أن تقوم الساعة. و هو قول ابن عبّاس و قتادة و مجاهد. و إليه ذهب الحسن و عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء. و اختاره الجبّائي و الرمّاني و جميع المفسّرين.
الثاني: أنّ المشركين كانوا يقولون: إنّ أصحاب محمّد سوف يقتلون في الحروب فيفنون عن آخرهم. فردّ اللّه عليهم بأنّهم سوف يحيون يوم القيامة و يثابون قاله البلخي.
الثالث: أنّهم أحياء بالطاعة و الهدى، كما في قوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ[٣]. فجعل الضلال موتا و الهداية حياة. قاله الأصمّ.
الرابع: أنّهم أحياء بجميل الذكر و الثناء المتواصل.
[٢/ ٤٠١٧] كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «هلك خزّان الأموال، و العلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة، و آثارهم في القلوب موجودة»[٤].
قال الطبرسي: و المعتمد هو القول الأوّل، لأنّ عليه إجماع المفسّرين. و لأنّ الخطاب للمؤمنين
[١] أي الروح بذاتها تتشكّل بصورة طير، لا أنّها تحلّ في جوف طير. و هذا هو الّذي رجّحناه كما عرفت.
[٢] شرح النووي على مسلم ١٣: ٣١- ٣٢.
[٣] الأنعام ٦: ١٢٢.
[٤] نهج البلاغة ٤: ٣٦؛ قصار الحكم ١٤٧. و فيه« أمثالهم» بدل« آثارهم».