التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - السواد المخترم
حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ...[١].
كانوا عاهدوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- عند مقدمه إلى المدينة- أن لا يساندوا عدوّا له، فنقضوا العهد، فأجلاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أوطانهم فتفرّقوا بعضا إلى الشام و بعضا إلى غيرها من سائر البلدان.
و عليه فحشر الوحوش تفرّقها و نفورها عن إزعاج داهمهم لدى أشراط الساعة.
و بعد فالكثرة من غوغاء الناس الهمج الرعاع. تنتهي حياتهم بالموت و تفسد نفوسهم مع الأبد. إذ لا فائدة في بعثهم و لا إمكان مؤاخذتهم و هم على تلك الحالة البهيميّة العشواء.
و لعلّ ما ورد في الدعاء المأثور من التعبير بالسواد المخترم، يعني هذا النمط من الناس.
[٢/ ٤٠٠٥] كما جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه السّلام كان إذا رأى جنازة يقول: «الحمد للّه الّذي لم يجعلني من السواد المخترم»[٢].
و السواد من الناس عامّتهم أي من السواد الأعظم الّذين تذهب حياتهم سدى، و لا خلاق لهم في الآخرة.
قال العلّامة المجلسي رحمه اللّه: و يمكن أن يراد بالسّواد عامّة الناس، أي لم يجعلني من عامّة الناس الّذين يموتون على غير بصيرة و لا استعداد للموت.
قال: و المخترم: الهالك أو المستأصل[٣].
قال ابن الأثير: و في حديث ابن الحنفيّة: «كدت أن أكون السواد المخترم».
يقال: اخترمهم الدهر و تخرّمهم أي اقتطعهم و استأصلهم[٤].
[٢/ ٤٠٠٦] و قال الإمام أمير المؤمنين- عليه صلوات المصلّين-: «فلا تعدّن عيشا منصرما عيشا.
ما لك منه إلّا لذّة تزدلف بك إلى حمامك، و تقرّبك من أجلك، فكأنّك قد صرت الحبيب المفقود و السواد المخترم»[٥].
السواد هنا: الشبح. يعني: قد صرت كالحبيب المفقود أثره. أو كالشبح يذهب عن البصر فلا شيء وراءه.
[١] الحشر ٥٩: ٢.
[٢] الدعوات للراوندي: ٢٦٠/ ٧٤٠؛ البحار ٧٨: ٢٦٦/ ٢٤.
[٣] البحار ٧٨: ٢٦٦- ٢٦٧.
[٤] النهاية ٢: ٢٧.
[٥] تحف العقول: ٢٩٩؛ البحار ٧٥: ١٧٩- ١٨٠/ ٥٩.