التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - السواد المخترم
و لعلّ هذا التحديد مستفاد من قوله تعالى: وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً[١] غير أنّ الآية ناظرة إلى القوم الجحود ممّن أنكر المعاد و أعرض بجانبه عن قبول الحقّ و قد رفض شريعة السماء، فكانوا ممّن محضوا الكفر و العصيان محضا و عاندوا و أصرّوا و استكبروا في الأرض استكبارا.
أمّا الّذي لم يمحض الإيمان و لم يمحض الكفر، فهو خارج عن محدودة الآية الكريمة.
نعم إنّ من الناس من يعيش لاهيا لا يهمّه سوى بطنه و فرجه، و لا يعبأ بدين و لا شريعة سوى ما حمّلته عليه بيئته الخاصّة، إن مسلما أو غيره من سائر النحل أو لا دين له. فهو يعيش همجا رعاعا حسب مجرى المحيط الّذي يعيش فيه، لا رأي له و لا اعتقاد، و لا عمل عن نيّة صادقة.
و لعلّ أكثرية الناس- من أتباع أيّ دين من الأديان- على هذا النمط غير الواعي، يعيشون عيشة سائر الأحياء من حيوان و بهائم و ديدان. فكما يلهى عن أولئك بالموت، كذلك يلهى عن أناس لم يرتق مستواهم عن سائر الحيوان، فيلهى عنهم أبديّا على غرار أشكالهم من الوحوش.
أمّا قوله تعالى: وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ[٢]. فلا يعني البعث يوم النشور. بل هو من أشراط الساعة. قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ. وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ. وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ. وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ[٣] و بقية الآيات تعني الحوادث يوم الحشر.
و المراد بحشر الوحوش: ذعرها و نفورها عند زلزلة الساعة لأنّ الحشر خروج متبعثر عن إزعاج و نفور و هكذا تذهل الوحوش عند حدوث أهوال قيام الساعة و تهيم لوجهها من شدّة الخوف. كما أنّ الجبال تدكدك و تنسف نسفا من أهوالها.
قال ابن الأثير: و في الحديث: «انقطعت الهجرة إلّا من ثلاث: جهاد أو نيّة أو حشر». أي جهاد في سبيل اللّه، أو نيّة يفارق بها الرجل الفسق و الفجور إذا لم يقدر على تغييره، أو جلاء ينال الناس فيخرجون عن ديارهم.
قال: و الحشر هو الجلاء عن الأوطان. و قيل: أراد بالحشر الخروج في النفير إذا عمّ[٤].
قال اللّه بشأن بني النضير أجلاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن حصونهم: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ
[١] الكهف ١٨: ٤٧.
[٢] التكوير ٨١: ٥.
[٣] التكوير ٨١: ١- ٦.
[٤] النهاية ١: ٣٨٨.