التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٣
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ الى ١٨٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
تلك فريضة الصيام فرضت على المسلمين فرضا يقرّبهم إلى اللّه من جهة، و من جهة أخرى، فيها حكمة و تربية عميقة للنفس، لتراوض على المقاومة و الصبر على مكان النفس و عند الشدائد و الهزاهز، و الّتي قد تنجرف بالإنسان عن سبل السّلام، لو لا الطمأنينة و الأناة، الأمر الّذي يتروّض عليه المسلم عند القيام بفريضة الصيام، عن جدّ و إخلاص.
و هكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم، إنّها التقوى: التزام بتعهّد نفسيّ جادّ، تجاه التكليف و المسئوليّة الّتي فرضتها الفطرة في جبلّة كلّ إنسان.
و من ثمّ يبدأ التكليف بمثل هذا النداء الحبيب إلى المؤمنين، المذكّر لهم بحقيقتهم الأصيلة. ثمّ يقرّر لهم: أنّ الصوم فريضة قديمة على المؤمنين باللّه في كلّ دين و شريعة، و أنّ الغاية الأولى هي إعداد النفوس للتقوى و الشفّافيّة و الحسّاسيّة و الخشية من اللّه، عزّ شأنه.
ثمّ يثني بتقرير أنّ الصوم أيّام معدودات (شهر الصيام) و ليس تكليفا دائما طول السنة، و مع ذلك فقد أعفى من أدائه المرضى و من كان على متن سفر، تخفيفا و تيسيرا على العباد: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فيقضيه متى صحّ بدنه و استقرّ في بلده.
و ظاهر النصّ في المرض و السفر يطلق و لا يمدّد فأيّ مرض و أيّ سفر، فإنّه يسوّغ الفطر،