التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢١ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
النفوس القاتلة أو الجارحة و الشاجّة عمدا، كذلك العفو أيضا عن ذلك.
و أمّا معنى قوله: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فإنّه يعني: فاتّباع على ما أوجبه اللّه له من الحقّ قبل قاتل وليّه، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه، في أسنان الفرائض أو غير ذلك، أو يكلّفه ما لم يوجبه اللّه له عليه. كما:
[٢/ ٤٤٧٦] روى بشر بن معاذ، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال: بلغنا عن نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «من زاد أو ازداد بعيرا» يعني في إبل الديات و فرائضها «فمن أمر الجاهلية».
و أمّا إحسان الآخر في الأداء، فهو أداء ما لزمه بقتله لوليّ القتيل على ما ألزمه اللّه و أوجبه عليه من غير أن يبخسه حقّا له قبله بسبب ذلك، أو يحوجه إلى اقتضاء و مطالبة.
فإن قال لنا قائل: و كيف قيل: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ و لم يقل: فاتّباعا بالمعروف و أداء إليه بإحسان، كما قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ[١]؟ قيل: لو كان التنزيل جاء بالنصب، و كان: فاتّباعا بالمعروف و أداء إليه بإحسان، كان جائزا في العربيّة صحيحا على وجه الأمر، كما يقال: ضربا ضربا، و إذا لقيت فلانا فتبجيلا و تعظيما، غير أنّه جاء رفعا، و هو أفصح في كلام العرب من نصبه، و كذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا له ممّا يكون فرضا عامّا فيمن قد فعل و فيمن لم يفعل إذا فعل، لا ندبا و حثّا. و رفعه على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء فالأمر فيه اتّباع بالمعروف، و أداء إليه بإحسان، أو فالقضاء و الحكم فيه اتّباع بالمعروف. و قد قال بعض أهل العربيّة: رفع ذلك على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء فعليه اتّباع بالمعروف. و هذا مذهبي، و الأوّل الّذي قلناه هو وجه الكلام، و كذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن فإنّ رفعه على الوجه الّذي قلناه، و ذلك مثل قوله: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[٢] و قوله: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ[٣].
و أمّا قوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ فإنّ الصواب فيه النصب، و هو وجه الكلام؛ لأنّه على وجه الحث من اللّه- تعالى ذكره- عباده على القتل عند لقاء العدوّ، كما يقال: إذا لقيتم العدوّ فتكبيرا و تهليلا،
[١] محمّد ٤٧: ٤.
[٢] المائدة ٥: ٩٥.
[٣] البقرة ٢: ٢٢٩.