التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
و قال آخرون: معنى قوله: فَمَنْ عُفِيَ فمن فضل له فضل و بقيت له بقيّة. و قالوا: معنى قوله مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ من دية أخيه شيء، أو من أرش[١] جراحته، فاتّباع من القاتل أو الجارح الّذي بقي ذلك قبله بمعروف، و أداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.
و هذا قول من زعم أنّ الآية نزلت في الّذين تحاربوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يصلح بينهم فيقاصّ ديات بعضهم من بعض، و يردّ بعضهم على بعض بفضل، إن بقي لهم قبل الآخرين. و أحسب أن قائلي هذا القول وجّهوا تأويل العفو في هذا الموضع إلى الكثرة من قول اللّه تعالى ذكره: حَتَّى عَفَوْا[٢]، فكان معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قبل أخيه القاتل! ذكر من قال ذلك:
[٢/ ٤٤٧٥] فقد روى موسى بن هارون، عن عمرو بن حمّاد، عن أسباط، عن السدّي: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يقول: بقي له من دية أخيه شيء أو من أرش جراحته، فليتّبع بمعروف، و ليؤدّ الآخر إليه بإحسان.
*** قال أبو جعفر: و الواجب على تأويل القول الّذي روينا عن عليّ و الحسن- في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ أنّه بمعنى مقاصّة دية النفس الذكر من دية النفس الأنثى، و العبد من الحرّ، و التراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما- أن يكون معنى قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: فمن عفي له من الواجب لأخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرضى بدية نفس المقتول، فاتّباع من الوليّ بالمعروف، و أداء من القاتل إليه ذلك بإحسان.
و قال: و أولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه، فاتّباع بالمعروف من العافي عن الدم الراضي بالدية من دم وليّه، و أداء إليه من القاتل ذلك بإحسان؛ لما قد بيّنّا من العلل فيما مضى قبل من أنّ معنى قول اللّه تعالى ذكره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ إنّما هو القصاص من
[١] الأرش: دية الجنايات و الجراحات.
[٢] الأعراف، ٧: ٩٥.