التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - موضع العقل من الشريعة الغراء
و الآخرة طالبة و مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه و آخرته.
يا هشام من أراد الغنى بلا مال، و راحة القلب من الحسد، و السلامة في الدين فليتضرّع إلى اللّه- عزّ و جلّ- في مسألته بأن يكمّل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى، و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا:
يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين: أنّهم قالوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ حين علموا أنّ القلوب تزيغ و تعود إلى عماها و رداها.
إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، و من لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا، و سرّه لعلانيته موافقا، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهر منه، و ناطق عنه.
يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل، و ما تمّ عقل امرئ حتّى يكون فيه خصال شتّى: الكفر و الشرّ منه مأمونان، و الرشد و الخير منه مأمولان، و فضل ماله مبذول، و فضل قوله مكفوف، و نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره. الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره، و التواضع أحبّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، و يستقلّ كثير المعروف من نفسه، و يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنّه شرّهم في نفسه، و هو تمام الأمر.
يا هشام إنّ العاقل لا يكذب و إن كان فيه هواه.
يا هشام لا دين لمن لا مروّة له، و لا مروّة لمن لا عقل له، و إنّ أعظم الناس قدرا الّذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا. أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقول: إنّ من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، و ينطق إذا عجز القوم عن الكلام، و يشير بالرأي الّذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق.
إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلّا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهنّ، فمن لم يكن فيه شيء منهنّ فجلس فهو أحمق.
و قال الحسن بن عليّ عليه السّلام: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل يا ابن رسول اللّه و من