التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٨ - موضع العقل من الشريعة الغراء
معرفة، و أعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلا، و أكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا و الآخرة.
يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام و أمّا الباطنة فالعقول.
يا هشام إنّ العاقل الّذي لا يشغل الحلال شكره، و لا يغلب الحرام صبره.
يا هشام من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكّره بطول أمله، و محى طرائف حكمته بفضول كلامه، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، و من هدم عقله، أفسد عليه دينه و دنياه.
يا هشام كيف يزكو عند اللّه عملك، و أنت قد شغلت قلبك عن أمر ربّك و أطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوّة العقل، فمن عقل عن اللّه اعتزل أهل الدنيا و الراغبين فيها، و رغب فيما عند اللّه، و كان اللّه أنسه في الوحشة، و صاحبه في الوحدة، و غناه في العيلة، و معزّه من غير عشيرة.
يا هشام نصب الحقّ لطاعة اللّه، و لا نجاة إلّا بالطاعة، و الطاعة بالعلم، و العلم بالتعلّم، و التعلّم بالعقل يعتقد[١]، و لا علم إلّا من عالم ربّانيّ، و معرفة العلم بالعقل.
يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود.
يا هشام إنّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، و لم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام إنّ العقلاء تركوا فضول الدّنيا فكيف الذنوب، و ترك الدنيا من الفضل، و ترك الذنوب من الفرض.
يا هشام إنّ العاقل نظر إلى الدنيا و إلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، و نظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما.
يا هشام إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة
[١] أي يشدّ و يستحكم و في بعض النسخ« يعتقل».