التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٦٥ الى ١٦٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٥ الى ١٦٧]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
كانت الآية السابقة تستلفت النظر إلى جانب الإيمان المنبعث من العقل الرشيد، فلو كان الإنسان ألقى عن عقله بلادة الألفة و الغفلة، و استقبل مشاهد الكون بحسّ متجدّد و نظرة مستطلعة، و قلب نوّره الإيمان الصادق، و زيّنه العمل الصالح .. فلو سار في هذا الكون كالرائد الّذي يهبط إليه أوّل مرّة، تلفّت عينه كلّ ومضة[١]، و تلفّت سمعه كلّ نأمة[٢]، و تلفّت حسّه كلّ حركة، و تهزّ كيانه تلك الأعاجيب الّتي ما تنى[٣] تتوالى على الأبصار و القلوب و المشاعر.
نعم، هذا ما يصنعه الإيمان، هذا التفتّح، هذه الحسّاسيّة، هذا التقدير للجمال و التناسق و الكمال. إنّ الإيمان رؤية جديدة للكون، و إدراك جديد للجمال، و حياة على الأرض في مهرجان من صنع اللّه، آناء الليل و أطراف النهار.
و لكن، مع هذا فإنّ هناك من لا ينظر بنور بصيرة، و لا يتعقّل بقلب حكيم، فيحيد عن الفطرة، و عن التوحيد الّذي يوحي به تصميم الوجود، و التعمّق في وحدة الناموس الكوني العجيب:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً نظراء في مثل الحجر و الشجر، أو الكواكب و النجوم، أو ملائكة و شياطين، و ما هي في عهد الجاهليّة سوى أشياء أو أشخاص أو شارات أو اعتبارات واهية.
[١] تلفّت: التفت و توجّه إليه. و الومضة: لمعة خفيفة
[٢] النأمة: أنّة خفيفة.
[٣] ما تنى: ما لبث.