التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - هل البقاء خاص بالشهداء؟
ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟ ثمّ قال: أضجعوا كعبا[١]. و سار قليلا فمرّ بطلحة بن عبد اللّه صريعا، فقال: أجلسوه فقال: يا طلحة، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟ ثمّ أمر بإضجاعه. فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين، ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟! فقال: مه يا رجل، فو اللّه لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم».
قال المفيد: و هذا من الأخبار الدالّة على أنّ بعض من يموت تردّ إليه روحه لتنعيمه أو لتعذيبه، و ليس بعامّ في كلّ من يموت[٢].
[٢/ ٣٩٩٧] و هكذا خطابه عليه السّلام مع أهل القبور و قد رجع من صفّين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة، قائلا: «يا أهل الديار الموحشة، و المحالّ المقفرة، و القبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة! أنتم لنا فرط[٣] سابق، و نحن لكم تبع لاحق، أمّا الدور فقد سكنت، و أمّا الأزواج فقد نكحت، و أمّا الأموال فقد قسمت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟»
ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أنّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى[٤].
[٢/ ٣٩٩٨] و روى الكليني بالإسناد إلى حبّة العرني[٥] قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الظّهر فوقف بوادي السّلام[٦] كأنّه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتّى أعييت، فجلست و قمت عدّة مرّات، ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين، إنّي أشفقت عليك من طول القيام، فراحة ساعة؟ فطرحت الرداء ليجلس عليه، فقال: «يا حبّة، إن هو إلّا محادثة مؤمن أو مؤانسته! قلت: يا أمير المؤمنين، و إنّهم لكذلك؟ قال: نعم، و لو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين[٧] يتحادثون! فقلت: أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح. و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلّا قيل لروحه: الحقي بوادي
[١] ذكر ابن أبي الحديد: أنّه عليه السّلام خاطب كعبا بعد ما أجلس، فقال: ويل أمّك! لقد كان لك علم لو نفعك، و لكنّ الشيطان أضلّك فأذلّك فعجّلك إلى النار.( شرح النهج ١: ٢٤١).
[٢] تصحيح الاعتقاد: ٩٣.
[٣] الفرط: المتقدّم في الماء للارتواء.
[٤] نهج البلاغة ٤: ٣١، قصار الكلم برقم ١٣٠.
[٥] هو أبو قدامة حبّة بن جوين العرني من أجلّة أصحاب عليّ عليه السّلام و من شيعته النجباء.
[٦] مقبرة عظيمة بظهر الكوفة ممّا يلي النجف الأشرف.
[٧] أي مجتمعين متمتّعين بالتحادث مع الأحبّاء.