التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - مظان الحاجة إلى الصبر
و استكبر و استعصى و عبر عن سبب استعصائه بأن قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[١].
فإذن حيث لم يسجد إبليس لأبينا آدم عليه السّلام فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده. و مهما كفّ عن القلب وسواسه و عدوانه و طيرانه و جولانه فقد أظهر انقياده و إذعانه. و انقياده بالإذعان سجود منه- فهو روح السجود- و إنّما وضع الجبهة على الأرض قالبه و علامته الدالّة عليه بالاصطلاح.
و لو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصوّر ذلك، كما أنّ الانبطاح بين يدي المعظم المحترم يرى استخفافا بالعادة، فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر و قالب الروح عن الروح و قشر اللبّ عن اللبّ! فتكون ممّن قيّده عالم الشهادة بالكلّيّة عن عالم الغيب، و تحقّق أنّ الشيطان من المنظرين، فلا يتواضع لك بالكفّ عن الوسواس إلى يوم الدين إلّا أن تصبح و همومك همّ واحد، فتشغل قلبك باللّه وحده فلا يجد الشيطان مجالا فيك، فعند ذلك تكون من عباد اللّه المخلصين الداخلين في الاستثناء عن سلطنة هذا اللعين.
و لا تظنّنّ أنّه يخلو عنه قلب فارغ، بل هو سيّال يجري من ابن آدم مجرى الدم، و سيلانه مثل الهواء في القدح، فإنّك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة، فكذلك القلب المشغول بفكر مهمّ في الدين لا يخلو عن جولان الشيطان، و إلّا فمن غفل عن اللّه تعالى و لو في لحظة فليس له في تلك اللّحظة قرين إلّا الشيطان. و لذلك قال تعالى: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[٢].
[٢/ ٣٨٨٢] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه تعالى يبغض الشابّ الفارغ»[٣] و هذا لأنّ الشابّ إذا تعطّل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه، كان ظاهره فارغا و لم يبق قلبه فارغا، بل يعشّش فيه الشيطان و يبيض و يفرخ، ثمّ تزدوج أفراخه أيضا و تبيض مرّة أخرى و تفرخ، و هكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات، لأنّ طبعه من النار، و إذا وجد الحلفاء اليابسة[٤] كثر توالده، فلا يزال تتوالد النار من النار و لا تنقطع البتّة بل تسري شيئا فشيئا على
[١] الأعراف ٧: ١٢.
[٢] الزخرف ٤٣: ٣٦.
[٣] الكافي ٥: ٨٤/ ٢، باب كراهيّة النوم و الفراغ، عن الإمام الكاظم عليه السّلام بلفظ:« إنّ اللّه يبغض العبد النوّام الفارغ».
[٤] الحلفاء: نبت يشبه سعف النخل ينبت في مغايض المياه.