التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٠ - مظان الحاجة إلى الصبر
هو النفل. و إيتاء ذي القربى هو المروءة و صلة الرحم. و كلّ ذلك يحتاج إلى صبر.
الضرب الثاني: المعاصي: فما أحوج العبد إلى الصبر عنها، و قد جمع اللّه تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى: وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ[١].
[٢/ ٣٨٥٩] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المهاجر من هجر السوء، و المجاهد من جاهد هواه».[٢] و المعاصي مقتضى باعث الهوى.
و أشدّ أنواع الصبر: الصبر عن المعاصي الّتي صارت مألوفة، فإنّ العادة طبيعة خامسة، فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللّه تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها.
ثمّ إن كان ذلك الفعل ممّا تيسّر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس، كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة و الكذب و المراء و الثناء على النفس تعريضا و تصريحا. و أنواع المزاح المؤذي للقلوب، و ضروب الكلمات الّتي يقصد بها الإزراء و الاستحقار، و ذكر الموتى و القدح فيهم و في علومهم و سيرهم و مناصبهم، فإنّ ذلك في ظاهره غيبة و في باطنه ثناء على النفس. فللنفس فيه شهوتان: إحداهما نفي الغير، و الأخرى إثبات نفسه. و بها تتمّ له الربوبيّة الّتي هي في طبعه، و هي ضدّ ما أمر به من العبوديّة. و لاجتماع الشهوتين و تيسّر تحريك اللسان و مصير ذلك معتادا في المحاورات يعسر الصبر عنها، و هي أكبر الموبقات حتّى بطل استنكارها و استقباحها من القلوب، لكثرة تكريرها و عموم الأنس بها، فترى الإنسان يلبس حريرا مثلا فيستبعد غاية الاستبعاد[٣] و يطلق لسانه طول النهار في أعراض الناس و لا يستنكر ذلك، مع ما ورد في الخبر من أنّ الغيبة أشدّ من الزنا[٤] و من لم يملك لسانه في المحاورات و لم يقدر على الصبر عن ذلك، فيجب عليه العزلة
[١] النحل ١٦: ٩٠.
[٢] منتخب مسند عبد بن حميد: ١٣٥/ ٣٣٦، بلفظ:« أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه ... فمن المهاجر؟ قال: من هجر السيّئات. قال: فمن المجاهد؟ قال: من جاهد نفسه للّه- عزّ و جلّ-. و أخرجه الطبراني بالشطر الأوّل في الأوسط ١: ٨١ و بالشطر الثاني في الكبير ١٨: ٣٠٩، بلفظ:« المجاهد من جاهد نفسه في اللّه- عزّ و جلّ-». من حديث فضالة بن عبيد اللّه.
[٣] أي يستعظم نفسه غاية الاستعظام.
[٤] الأوسط ٦: ٣٤٨؛ نور الثقلين ٥: ٩٥.