التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - الصبر نصف الإيمان
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[١].
و لنرجع إلى الغرض فإنّ هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة. فنقول:
ظهر أنّ الصبر عبارة عن «ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى» و هذه المقاومة من خاصّة الآدميين، لما وكّل بهم من الكرام الكاتبين، و لا يكتبان شيئا عن الصبيان و المجانين، إذ قد ذكرنا أنّ الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما، و السيّئة في الإعراض عنهما، و ما للصبيان و المجانين سبيل إلى الاستفادة، فلا يتصوّر منهما إقبال و إعراض، و هما لا يكتبان إلّا الإقبال و الإعراض من القادرين على الإقبال و الإعراض. و لعمري إنّه قد تظهر مبادئ إشراق نور الهداية عند سنّ التمييز و تنمو على التدريج إلى سنّ البلوغ، كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس، و لكنّها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضارّ الآخرة، بل إلى مضارّ الدنيا، فلذلك يضرب على ترك الصلوات ناجزا، و لا يعاقب على تركها في الآخرة، و لا يكتب عليه من الصحائف ما ينشره في الآخرة، بل على القيّم العدل و الوليّ البرّ الشفيق- إن كان من الأبرار و كان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار- أن يكتب على الصبيّ سيّئته و حسنته على صحيفة قلبه، فيكتبه عليه بالحفظ، ثمّ ينشره عليه بالتعريف، ثمّ يعذّبه عليه بالضرب. فكلّ وليّ هذا سمته في حقّ الصبيّ فقد ورث أخلاق الملائكة و استعملها في حقّ الصبيّ. فينال بها درجة القرب من ربّ العالمين، كما نالته الملائكة، فيكون مع النبيّين و المقرّبين و الصدّيقين. و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنّة»[٢] و أشار بإصبعيه الكريمتين يعني السبّابة و الوسطى.
الصبر نصف الإيمان
اعلم أنّ الإيمان تارة يختصّ في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين، و تارة يختصّ بالأعمال الصالحة الصادرة منها، و تارة يطلق عليهما جميعا. و للمعارف أبواب، و للأعمال أبواب. و لاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفا و سبعين بابا.[٣] أمّا كون الصبر نصف الإيمان فباعتبارين
[١] يس ٣٦: ٩- ١٠.
[٢] الترمذي ٣: ٢١٥/ ١٩٨٣؛ البيهقي ٦: ٢٨٣.
[٣] روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:« الإيمان بضع و سبعون أو بضع و ستّون شعبة»؛( مسلم ١: ٤٦).