التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - حقيقة الصبر و معناه
فيكتب إقباله له حسنة. و كذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه سيّئة، و بالمجاهدة مستمدّ من جنوده فيثبت له به حسنة. و إنّما ثبتت هذه الحسنات و السيّئات بإثباتهما فلذلك سميّا كراما كاتبين. أمّا الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما و لأنّ الملائكة كلّهم كرام بررة، و أمّا الكاتبون فلإثباتهما الحسنات و السيّئات و إنّما يكتبان في صحائف مطويّة في سرّ القلب، و مطويّة عن سرّ القلب حتّى لا يطلع عليه في هذا العالم، فإنّهما و كتبتهما و خطّهما و صحائفهما و جملة ما تعلّق بهما من جملة عالم الغيب و الملكوت لا من عالم الشهادة، و كلّ شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم، ثمّ تنشر هذه الصحائف المطويّة عنه مرّتين: مرّة في القيامة الصغرى، و مرّة في القيامة الكبرى، و أعني بالقيامة الصغرى حالة الموت.
إذ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من مات فقد قامت قيامته»[١] و في هذه القيامة يكون العبد وحده و عندها يقال:
وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ[٢] و فيها يقال: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً[٣] أمّا في القيامة الكبرى الجامعة لكافّة الخلائق فلا يكون وحده بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق، و فيها يساق المتّقون إلى الجنّة و المجرمون إلى النار زمرا لا آحادا. و الهول الأوّل هو هول القيامة الصغرى. و لجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى، مثل زلزلة الأرض مثلا، فإنّ أرضك الخاصّة بك تزلزل في الموت، فإنّك تعلم أنّ الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم و إن لم تزلزل البلاد المحيطة بها، بل لو زلزل مسكن لإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقّه؛ لأنّه إنّما يتضرّر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره، فحصّته من الزلزلة قد توفّرت من غير نقصان.
و اعلم أنّك أرضى مخلوق من التراب، و حظّك الخاصّ من التراب بدنك فقط، فأمّا بدن غيرك
[١] حديث:« من مات فقد قامت قيامته» أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس انظر: كنز العمّال ١٥: ٦٨٦/ ٤٢٧٤٨. قال صاحب المقاصد الحسنة( ١١٨٣): له ذكر في:« أكثروا ذكر هادم اللذّات». و رواه الديلمي عن أنس مرفوعا و لفظه:« إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته»، و للطبراني من حديث زيادة بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال:
« يقولون: القيامة القيامة و إنّما قيامة المرء موته»، و من رواية سفيان بن أبي قيس قال: شهدت جنازة فيها علقمة فلمّا دفن قال:« أما هذا فقد قامت قيامته». انظر: كنز العمّال ١٥: ٥٤٨/ ٤٢١٢٣؛ و كشف الخفاء، العجلوني ٢: ٢٧٩/ ٢٦١٨.
[٢] الأنعام ٦: ٩٤.
[٣] الإسراء ١٧: ١٤.