محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٣ - الخطبة الأولى
أن يتقدم أبداً، وحال كل شيء ممكن هو حال الإنسان في ذلك على اختلاف في المراتب والحدود. واتحاد بني الانسان وجدُّهم وأخذهم بأسباب العلم والقوة يتقدم بمستواهم عمّا هم عليه من واقع مما كان صنعه بدرجة أقل من الوحدة والجد والإهتمام بأسباب الرفعة والنمو إلى واقع جديد أكثر غنى وتطوراً ورقيّاً، ولكن لا يمكن أن يتجاوز جدار الإمكان بالنسبة للإنسان، وواقع محدوديته، أومرتبته من سلم الوجود.
هذا من ناحية الواقع، أما من ناحية الوهم ومجرد الخيال فيسع الصغير أن يكون في نفسه مخطئاً كبيرا، والمحدود أن يكون متخيِّلا مطلقا، لكن هذا الوهم الذي ينفصل بصاحبه عن الواقع لا يبني إلا أوهاماً ولا يشيد حقائق، والوهم أوهن من أن يقاوم الحقيقة، والواهم لابد أن تعلِّمه حقائق الحياة والوجود ولو أخيراً بأنه واهم، وبأنه صغير، ومحدود، ومقهور. وفي تأخر هذا الدرس حتى اللحظة الأخيرة من الحياة، وبعد أن يقضي مأسورُ الوهم كل حياته في السراب مصيبة كبرى، وخسارة فادحة ليس مثلها خسارة." حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)" المؤمنون،" ... حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" (٩١) يونس.
ومن طغيان الإنسان أن يرى غناه من نفسه، وحسن حاله بتدبيره، وأن ليس خيره من ربه، فلا يكون بربه إلا كافراً، ولأنعمه إلأ جاحداً. وهذا الشعور الواهم الطاغي وهو من وحي الغنى المعار المحدود لا يولّد إلّا وهما أشد، وطغياناً أكبر فمما يستتبعه أن يرى صاحبه نفسه للناس ربّاً، وأنهم له عبيد، فينطلق في كل حياته مع هذا الوهم حتى يريه الله الربُّ الحق أنه العبد الذليل المملوك، المقهور، الخانع. وإذا كان سُبات الطغيان عميقاً جداً لا يكفي معه سلب الربّ العبد نعمةً واحدةً من نعمه عنده لتعليمه عبوديته كفى