محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٤ - الخطبة الأولى
سلبه الف نعمة. ومن النعم من دون نعمة الحياة نعمٌ فقْد واحدتها يحوّل حياة المرء كلها شقاء.
والغنى سبب كبير للطغيان عند الانسان بماهو إنسان، وهذا السبب يحمي من تخريبه لنفسية صاحبه الإيمان، والذي كما يحمي من أثره السيء على النفس، يحمي من أثر الفقر، والنصر والهزيمة، والصحة والمرض وكل الظروف والحالات المتعاقبة على الإنسان، فلا يحمي شخصية الإنسان شيء كما يحميها الإيمان، يحميها عن الإنهيار، عن الضعف، عن السقوط.
الإنسان وحده وزن تهزّه الظروف، وتستخفُّه وتصرعه، فيخسر أمامها إنسانيته، وتذهب قيمة حياته، ويكون بذلك الشرَّ في نفسه وعلى الآخرين، والشقاءَ لذاته، والشقاءَ للآخرين.
والإنسان بإضافة الإيمان قوّةٌ جديدةٌ عملاقة لا تهزمها الظروف، ولا تخسر وزنها أمام ضغطها العنيف المتواصل. فالإنسان من حيث هو إنسان قد يثقل كاهل إنسانيته الغنى و الفقر فيخور ويسقط، أما الإنسان المؤمن وبما هو مؤمن؛ فيحفظ له الإيمان التوازن، ولا يكون الألعوبة بيد الظروف والهباءة الخفيفة أمام ريحها العاتية.
فالإنسان يثقل بمقدار إيمانه، ويواجه، ويثبت، وتنتصر نفسه على الضغوط بوزن ماعليه هو من إيمان وارتباط عقلي وقلبي ونفسي وعمليّ بالله العظيم المتعال.
إن المؤمن يؤمن بأن المرجع إلى الله، وبيده المصير، ومن عنده التدبير فلا يسعه أن يستكبر، ولا يسهل اسغفاله عن عبوديته، ولا هروب الوهم به عن واقع محدوديته. وثقته بربه، واعتماده عليه، ويقينه بقدرته ورحمته يحميه من اليأس، ويقيه من الانهيار، ومن العبودية للعبيد، ومن الاستدراج للحضيض.
ومن دون الإيمان الإنسانُ بكل ماله من عقل، وخبرة، وتجربة، وعلم يلهيه التكاثر بما يحوله طفلا يصرفه لعبه عن جدِّه، ويغلب خيالُه عقلَه، ويشط به أنسه الواهم عن هدفه.