محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥ - الخطبة الأولى
وأن تميل عنه النفس لشيء، أو تشتغل مع الاشتغال بعظمته خضوعاً وتذللًا وثقة واعتماداً وانصرافاً بشيء.
وقد تحرر إبراهيم عليه السلام من عبودية الآفلين بإسقاط ربوبيتهم عقلًا وفطرة، ولم يبقَ لربوبيتهم الكاذبة أيُّ ضغط على نفسه، وخرّ ساجداً لله وحده، موجِّهاً وجهه لربه الحق لا يُعطي من نفسه ووقته وما ملكت يداه، ولا من همِّه وأمله لغيره أبداً، ولا يميل مبتغياً من دونه ملتحداً، ولا ينظر لنفسه حتى يكون قد أشرك بربه أحداً.
" إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
والآن علينا أن نستذكر أن الشخصيات تتألق وتأفُلُ .... الدول تقوم وتسقط، النبتة تترعرع وتذبُل ... الطروحات الأرضية تظهر وتذوي .... المال ... سلطة المخلوقين ... قوَّتهم ... بواسق النخل ... فارعات الشجر .... سامقات الجبال ... كل شيء داخل في حدِّ الإمكان لا يستطيل عالياً إلا ليعود الشيءَ الضئيل اللصيق، ولا يشتد إلا ليضعف، ولا يتماسك إلا ليتبعثر، ولا يحيى إلا ليموت، ولا يكون إلا لينتهي إلا أن يشاء الله.
إنه ما من شيء من دونه سبحانه وتعالى بمستمسك من داخل ذاته بوجوده أو حياته أو قوته أو غناه. كل ممكن دائماً في معرض الأفول والتلاشي والاندثار والفناء. فلا إله إلا الله، ولا معبود سواه." كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (٢٧)" ٢٦- ٢٧/ الرحمن،" وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)".