محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٥ - الخطبة الأولى
لاستصلاح كل أعضائه، وإنه لحريص جدا على أن لا يفسد منه عضو واحد وإن خفّ وزنه في النظر، فما بالك بالقلب، القلب الذي يمثل معناك، وتتمثل فيه ذاتك، ويعني لبّ وجودك؟!
وإنَّه ليعظم شأناً صلاح أي عضو في الإنسان ويخطر أمر فساده بقدر ماله من شأن في نفسه، فالمخ والقلب النابض بالدّم لأن شأنهما في حياة الجسد أعظم الشأن كان صلاحهما وفسادهما من أخطر الأمر. ويزيد القلب في بعده المعنوي ومضمونه الإنساني، وبما يمثّل من الروح الإنسانية التي بحياتها يكون الإنسان، وبموتها لا يبقى منه إلا ما هو حيوان شأناً فوق ما لقلب البدن ومخِّه من شأن، وخطراً أبعد مما لهما من خطر.
وصلاح هذا القلب وفساده ليس بمنأى من إرادة الإنسان التي قد تتجه لخراب القلب أو إعماره، وإصلاحه أو إفساده، وموته أو حياته.
وملفت هذا الأمر أيها الأخوة وهو أن لنا إرادة في صلاح وفساد أبداننا، ولكن إرادتنا في فساد وصلاح قلوبنا أكبر، قد أعطينا من الإرادة ما نطلب به صلاح القلب أو فساده، والأمر كله بيد الله عز وجل أكبر مما أُعطينا من إرادة في إصلاح أبداننا وفسادها، وإن كان لنا قسط كبير فيما يصيب البدن من صلاح أو إفساد تتحمله مسؤوليتنا.
وقلوبنا لم توجد صالحة لا تقبل الفساد، ولا فاسدة لا تقبل الصلاح، وهي إذا صلحت أمكن أن تؤول بإرادة الإنسان إلى فساد، وإذا ما عرضها فساد أمكن أن يصير على يده بتوفيق ربه إلى صلاح" وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ".
وقد جاءت النصوص الإسلامية بأسباب فيها صلاح القلب، وأخرى فيها فساده، وحمَّلت الإنسان أمانة الأولى، ومسؤولية