محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٢ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ولا نصير من الضعف، ولا معين ولا مشير، وهو العليم الخبير، وعلى كل شيء قدير. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مشيئته نافذة، وإرادته قاهرة، وأمره لا معقِّب له، وهو العلي العظيم. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.
أوصيكم عباد الله ونفسي المشفقَ عليها بتقوى الله الذي لا مالك لنا غيره، وكل أمرنا بيده، ولا فرار من حكومته، ولا غنىً عن فيضه، ولا ينجي من أخذه أحد، ولا يُؤي من قضائه ملتحد.
ولنكن على يقظة من أمر الحياة والموت، والدنيا والآخرة؛ فإن رواحل الأيام والليالي قد مضت بأهلٍ كثيرين وأحبة وأصدقاء. أليس كذلك؟! وليس لهم من عودة للديار، ولا يصار إليهم إلا بما تكره النفوس من مغادرة الحياة، وغربة الممات، ووحشة الفراق، وانقلاب الأحوال، واستقبال الأهوال، هذا هو الثمن للقاء حبيب قد فارق الحياة.
وحبيب الأمس بعد الموت تفرّ النفسُ من الرحيل إليه، وإن كانت لابد أن تصير إلى ما صار إليه، وتنقلب منقلبه، وتجد من أهوال عالمه ما لم يكن بالحسبان، إلا نفساً رحمها الله، وكسبت صالحاً، واطمأنت بذكر ربها فرجعت إلى بارئها الكريم في اطمئنان راضية مرضية، وكانت من أهل قوله تعالى: فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩ (وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠ (.
عباد الله نحن بين دارين: دار دنيا لانزال منها في ابتعاد، ودار آخرة لا نزال منها في اقتراب، وإننا لنسيء التصرف، ونظلم أنفسنا حين ننفق بقية الأيام لدار نحن منها دائما في نأيٍ ينتهي إلى الطلاق، ونهمل داراً نحن منها في دنوٍّ مستمر لا ينتهي إلا بالتلاق. إن دنياً