محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٥ - الخطبة الأولى
والشح والبخل، ذلك أن لا ملك إلا وهو له، وبيده وفي قبضته، لا تسرُّب لشيء منه لغيره، ولا تصرُّف لمن دونه فيه بغير إذنه، ولا يخرج الشيء بالعطاء عن سلطانه، حيث لا حدوث ولا بقاء إلا بمدده، ولا تضيق قدرته، ولا فقر في ذاته، فكل أسباب الشح والبخل منتفية عنه، فلا منع إلا لحكمة، ولا حرمان إلا أن يقصر الشيء من الخلق عن استقبال الفيض، والانتفاع من الخير.
والله الذي بيده الملك وهو المتفرد بخلق الأشياء وتدبيرها بيده الموت والحياة لأنه لا خالق غيره لهما. وإذا كان موت البدن توفي الروح عنه وتمتعها بالحياة دونه، وقد تزداد شعورا عما كانت عليه في علاقتها به، وتتضاعف قوة انطلاق فوق ما هو لها في ظل تلك العلاقة ناسب أن يتعلق الخلق بالموت كما في الآية الكريمة، وقد يكون لهذا التعلق معنى فوق ما تحوم حوله الظنون.
ولدفع توهم المجازية في التعبير القرآني في المورد عُلّق الخلق بالموت" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ" وقد قُدِّم الموت على الحياة في تعلّق الخلق بهما، وعُطِفت على الموت الحياة بدل المترقب مما هو العكس.
٢- يترتب على الملك المطلق لله المتعال، والقدرة الشاملة، والفيض المتدفِّق، والخير المتصل منه عز وجل، وتفرده بكل ذلك أنّ رجاء العبد إنما يدعوه للتعلق به سبحانه لا بغيره، ويصرف الوجه إليه عمن سواه، إلا أن تضل النفس، فيخطىء النظر، وتتيه الرؤية بسوء ما كسب المرء فيكون التوجه لغير الله، والطلب من الفقير دون الغني، ومن البخيل دون الكريم، ومن الفاقد لا الواجد، والثقة بالخيال لا الحقيقة، والاطمئنان للسراب لا الماء.
والمؤمن وقد رأى نفسه وفقره ومسكنته، ولم يرَ قادرا غنيا كريما غير الله تجده يائسا من كل الخلق، آملا في الله، واثقا به، مطمئنا إليه، مستريحا إلى جوده وكرمه.