محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٢ - الخطبة الأولى
النفوس التي عاشت وهم الاحتماء بالأرض، وكان صراعها عليها، وانشدادها لها من دون الله سبحانه وتعالى ... زلزال عنيفٌ مهولٌ، ومِن مثله عُنَفاً وهولًا زلزلة النفس الظالمة لنفسها يوم ذاك؛ النفس التي لم تعمل على إيجاد سبب من الطاعة والعبودية الخالصة بينها وبين الله؛ فهي زلزلة مدمرة لا تبقي من النفس للنفس شيئاً.
ونعود نتذكر أن سورة الزلزلة نداء إلى الغافلين، نداء إلى السادرين، نداء إلى النائمين، نداء إلى كل أهل الصراعات الدنيوية التي لا تتطلع إلى الله، ولا تعيش معركتها من أجله، لتفيق على المستقبل المرعب، والمصير السيء الذي يقعبة التفريط في جنب الله.
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
يومئذ لا قصور شامخات، ولا بناء حضاري، يُشَهدُ في صروح، وفي زروعٍ، وفي مصانع، وفي قوة نووية، ليس من شيء يوم ذاك على الأرض مما جرى من أجله صراع المغفلين، كل ما أنفقت فيه الأعمار، وتنافس فيه المتنافسون من أهل الدنيا تحول إلى هباء، وما يقيم الناس عليه حضارتهم الماديّة من أرض قد خسروه وخسروا كل ما كانت تهيئة لهم من أسباب على هذا الطريق.
وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وتكرر لفظ الأرض، وكان المتوقع أن يحل محله الضمير، فيقال وأخرجت أثقالها، ولكن الآية الكريمة تقول وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها و هذا تعبير الإحساس بأن هذه الأرض التي تعتزون بها، والتي تحتضنكم وتحتضن زاد ملايينكم وبلايينكم، وترجعون إليها في ما تستمدون به أسباب الحياة والبقاء، عليكم أن تتذكروا مرة ثانية أنها تخرج أثقالها.
والأرض التي كنتم تنادون بشعارها، و يتقاتل أبناء العمومة والخؤولة على شبر منها، والتي حملتكم على ظهرها أحياءً، وضمتكم في ترابها أمواتاً، تخرجكم إلى ساحة جديدة من