محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٨ - الخطبة الأولى
تجدون لكون أمانة الله الإنسان عن تشريف هذا التعبير في الآية الكريمة إِنَّا عَرَضْنَا باستعمال ضمير العظمة في قوله تبارك وتعالى إِنَّا وفي قوله تبارك وتعالى عَرَضْنَا فالتعبير يقرر أن الله عز وجل حين أسند هذه الأمانة للإنسان لم يُسندها عن ضعف، إنما أسندها عن عزّة، وغلبته وعظمة، فليست هذه الأمانة من منطلق الحاجة واللجأ إلى الغير.
٥. ثُم أنه حاشا لله عزّ وجل وهو العدل الحكيم المحسن الرؤوف الرحيم أن يحمِّل الإنسان مستغفلًا جهله وعدم الدقة في تقديره، أمانة لا تزنها طبيعته ولا تتحملها استعداداته، وتضعف عنها مؤهلاته. الأمانة التي حملها الإنسان هل هي أمانة بوزنه أو أمانة فوق وزنه؟ هذه الأمانة عند وزن الإنسان ولكن بشرط. مرة يحمّل الله عز وجل الإنسان هذه الأمانة من غير أن يقدم له خريطة حياته ومسارها الصحيح، ومرة يحمله هذه الأمانة من منطلق مواهب الله والاستعدادات التي أعطاها الإنسان وغرسها في طبيعته مضافا إلى ذلك أن يتنزل من الله عز وجل منهج يرسم مسار الحياة للإنسان، والإنسان قادر على تحمل هذه الأمانة ليس من خلال استعداداته ومواهبه الموهوبة له من الله فحسب وإنما بشرط أن يلتزم المنهج الإلهي، فإذا التزم المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسل، وتنزلت به الكتب تم موضوع تحمل هذه الأمانة من استعدادات في الداخل وإنارات كافية من الخارج، ونقرأ هنا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وإذا رجعنا إلى الآيتين السابقتين وجدنا أنهما مذيَّلتان بقوله تبارك وتعالى وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فهل يكلف الرحيم عبداً ضعيفا مستغفلا لجهله، وعدم دقة تقديره ما لا يتحمله؟!
إن الآية الكريمة وهي تقول وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً تؤكد على أن هذه الأمانة لا تكبر وزن الإنسان إذا التزم الشرط، وفي مقدوره أن يلتزم الشرط وهو اتباع منهج الله عز