محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٢ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي لا تخفى عليه خلائقه، ولا تغيب عنه من الكون دقائقه، ولا يستر عن علمه شيء شيئا، ولا ظلمة ما فيها، ولا تقادم زمن ما قبله، ولا طول زمن ما بعده، فلا ماضي ولا مستقبل في علمه حيث لا يحجبه زمان كما لا يحويه مكان، وأنى لزمان أو مكان أن يحدّه وهو من خلقه، وحُّده بيده؟!
أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له خلق الخلق وهو غني عما خلق ومن خلق، مظهراً قدرته، معلناً كرمه، باسطاً رحمته، وأرسل الرسل داعياً إلى جنته، محذّراً من ناره، مشرّعاً ما فيه خير عباده، ونجاة أهل طاعته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هدى به إلى الحق، وجعله منارة الخلق، صلى الله عليه وآله، وزادهم تحية وسلاما.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله، ومن اتقى الله راقبه، ومن راقبه لم يواقع قبيحاً، ولم يأت اثماً، ولم ينزل درجة، وأحب الخير، وصنع جميلًا وأسرع إلى الفضائل، وزكت نفسه، وطابت حياته، وزكّى من زكاته آخرون، وطابت بحياته من آخرين حياة.
عباد الله تبصّروا تبصروا، وان يتعامَ امرؤ يعمَ، البداية أن يتعامى عن الحق ولكن النهاية أن يعمى ولا يلتقي الهدى السالكون طريق الضلال، ولا يضل من تجرد لطلب الحقيقة، وهذا يعني الانعتاق من حاكمية الهوى، وأسر الأنا، وقهر الشهوات.
وما أبصر عبد رأى نفسه ربّاً، ولم ير الله ربه العلي القدير. وما قدّر إنسان نفسه قَدْرَها وهو لا يراها إلا دوافع دم ولحم وطين.
اللهم اجعلني وإخواني المؤمنين والمؤمنات أجمعين لا نرى أنفسنا إلا عبيداً، ولا نرى لنا