محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٩ - الخطبة الثانية
الثانية، فقد تستيقظ الأمة من ناحية دينية ولكنها تبقى في سُبات من ناحية فكرية، وقد يكون العكس كما ترمي إليه هذه المقولة.
المدعى هنا هو الإنفكاك بين الصحوة من حيث الفكر، وبين الصحوة من حيث الدين، فقد تجد الأمة متقدمة فكرياً على مختلف الأصعدة بينما تجدها متأخرة على المستوى الديني، وقد تجدها متقدمة على المستوى الديني، عشّاقة للدين، منصهرة به، مستوعبة لأبعاده ومفاهيمه ورؤاه، بينما هي على جمود فكري.
هذه المقولة لو حاسبناها أنجدها دقيقة؟ أو أننا سنجدها من الفكر المغلوط؟
نسأل: المعني هنا في انفصال الصحوة الدينية عن الصحوة الفكرية هو الفكر الذي يعالج أوضاع المادة وتطويرها؟ أم المعني أيضا ما يعالج الأوضاع الإنسانية ويقوِّمها ويثريها؟
هناك فكران؛ فكر يتجه لمعالجة الناحية المادية والتقدم بها، وفكرٌ يتجه لإصلاح حال الإنسان من حيث إنسانيته، فكرٌ يتوفر على فهم دقيق للأولويات، وترتيب الأمور من حيث المدى الأبدي، ومن حيث ما يتصل بتقويم إنسانية الإنسان، وما يتقدم بإنسانيته إلى حدِّ الرقي الكبير، ذاك فكر وهذا فكر.
إذا كان المعني هو الفكر المادي فإن، هذه المقولة قد تستقيم حيث إن التقدم المادي ليس مربوطا دائما بصحوة الدين. إثراء الحالة الاقتصادية، التقدم التكنولوجي، تقدم الزراعة والصناعة، كل ذلك يحتاج إلى أسس منها ما هي أسس الدين، ولو انهدمت أسس الدين لما اخضرّ عود للحياة أبدا في أي جنبة من جنباتها، لكن هذه المساحة من العلم، ومن التقدم الفكري لاتتصل مباشرة بصحوة الدين بالمعنى الذي نريد، لكن من جهة أخرى لا معاداة، ولا مفاصلة بين التقدم الفكري على المسار المادي، وبين الصحوة الدينية، بل على العكس فإن الصحوة الدينية تفجر الفكر على المسار المادي، وتصلح الحياة المادية، ونحن