محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥١ - الخطبة الأولى
الذي يعطيه النظام. ووجود الأشياء الفقيرة في ذاتها بنفسه شاهد بأنها لا تبقى إلا بمددٍ من مبقيها، ودخولُها في نظام به تدبيرها وهي في قصورها ومحدوديتها دليل على أن هذا النظام من عطاء بارئها. وكلُّ شيء في الكون الحادث منقطع، مسترفد في وجوده ونظامه وتدبيره، فمرجع العطاء واحد لا كثير، والمطلق لا المحدود هو منتهى الآمال، ومحطّ الرجاء، والأشياء كلُها من دونه ضارعة إليه، متوجهة بالسؤال إلى كرمه، راجية بفقرها رحمته.
والمخلوقات كلها ما صغر وما عظم لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، فكيف تملك لربّها من ذلك شيئاً؟! كلها راجعة إليه في توسُّلها لرفع النقص، ودفع الضُّر، ولا وسيلة لها في رفع ضرها وقضاء حاجاتها إلا استسلامها ودعاء فقرها، وانقطاعُها لخالقها.
وعلى الإنسان في طلبه رحمة ربِّه أن يستسلم في شعوره بالانقطاع إلى الله، خارجاً من أي حول، وطول، وحمى، ورحمة إلا حول ربّه، وطوله، وحماه، ورحمته، منصرفاً عن كل من عداه وما عداه بأمله وطمعه إليه، وبذلك يتوافق واقع الشعور عند الإنسان مع ما عليه كل ذرة من وجوده الخاضع لله، المتعلِّق به، المسترفد من جوده، المتوجّه محضاً إليه، والتعبيرُ المتذلِّل لله، المتطلِّع إلى كرمه، المستغيثُ به في المطالب والحاجات لا يكون من الدعاء الحقيقي إلا إذا كان وراءه ذلك الواقع من الشعور الصادق المفعم بالإيمان بالله وحبِّه، المطمئن إلى رحمته ولطفه، الخالص في توحيده، الواثق في عطائه.
ولقد حفِلت النصوص الإسلامية كتاباً وسنّة كثيراً بالدعاء من حيثيات متعددة؛ وهذه استراحة يسيرة لبعض هذه النصوص، وتفيؤ لظلالها:-
١. الاستكبار على الدعاء كبيرة:
وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ٦٠/ غافر.