الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٧ - الأزهر حصن العربية
الشرقاوي، و محمد المهدي و سليمان الفيومي، و حسن العطار. و تجلت ريادته في طلابه النجباء الذين أرسلوا إلى أوروبا ليستفيدوا و يستزيدوا، كإبراهيم النبراوي، و أحمد حسن الرشيدي، و محمد علي البقلي، و رفاعة الطهطاوي، و علي مبارك، و تلك يد أخرى لهذا المعهد الجليل على اللغة العربية، ساعدها على النهوض، كما حماها من قبل دون السقوط.
هاتان هما المحنتان اللتان عانتهما العربية في عهدين متواليين، ثم جعل اللّه نجاتها منهما بفضل الأزهر حفظا لكتابه و صونا لدينه.
و هناك محنة ثالثة تجتازها اللغة اليوم و توشك أن تبلبل اللسان و تعطل القرآن و تقطع الدين عن أصله، و تفصل العربي عن أهله، و تهبط بالأدب من جبل الوحي و هيكل عطارد حيث الترفع و السمو و النبل، إلى حضيض المادية حيث التسفل و التبذل و الفحش.
تلك هي محنة الإباحية اللغوية التي تغلب العامية على الفصحى، و تؤثر أدب العامة على أدب الخاصة، و تفضل الموضوع المثير على الموضوع المنير، و تريد أن يكتب الكاتب و ينظم الشاعر كما يشاء، لا يتقيد بقاعدة من نحو و لا قياس من صرف و لا نظام من بلاغة و لا وزن من عروض و لا مثال من خلق. و لهذه المحنة أو المشكلة أصلان: الاستعمار و الجهل.
أما الاستعمار فلأنه رأى أن الرابطة بين المسلمين على اختلاف أقطارهم و تباعد ديارهم هي الدين و اللغة، و ما دامت أمة محمد روحا واحدا بالإسلام، و لسانا واحدا بالعربية، فإن استغلالها موقوت و إن طال، و إن استقلالها آت و إن تأخر، لذلك سعت فرنسا سعيها الدائب في الجزائر لفتنة البربر عن دينهم بإصدار الظهير المعروف، و قطع العرب عن لغتهم بطردها من المدارس و الدواوين. و لكن دين اللّه كان أقوى من ظهير فرنسا، و لغة المصحف كانت أمضى من لغة السيف. و اكتفت انجلترا على عادتها من الدهاء و الكياسة بمحاربة الفصحى فدعت إلى العامية بلسان موظفيها