الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٦٦ - الأزهر حصن العربية
أبوابه خاشعين يلتمسون منه العون على ما ينجم من أحداث، و الرأي فيما يشكل من الأمور.
و السلطان سليم نفسه قد زاره مرارا فصلى فيه و تبرك به. و من قبل قد غزا الأزهر بلاد الأتراك بعلمه و أدبه و كتبه فعرب طائفة منهم تعلموا العربية و تكلموا بها و ألفوا فيها كالفيروز أبادي و أبي السعود و الفناري و ملا خسرو و الجامي و الخيالي و خوجه زادة و ملا مسكين و ملا لطفي و حاجي خليفة و طاشكيري زاده و ابن كمال باشا و كان سلاطين العثمانيين أنفسهم يدرسون العربي و آدابها كما كانوا يدرسون التركية و آدابها، و منهم من قرض الشعر العربي و رواه كالسلطان أحمد الأول فقد رووا له قصيدة غزلية مطلعها.
ظبي يصول و لا وصول إليه* * * جرح الفؤ بصارمي لحظيه
و لم تضعف عناية علماء الترك بالعربية إلا في عهد السلطان محمود الثاني و ابنه السلطان عبد المجيد الأول حين أحييا اللغة التركية و قربا مواردها و بسطا قواعدها و سمياها اللغة العثمانية، فأنتم ترون أن اللغة العربية قد أتى عليها ستة قرون قضتها بين الاحتضار و الموت، ثلاثة منها في العصر المغولي، و ثلاثة أخرى في العصر العثماني، أمحت فيها من الهند و خراسان و العراق و بلاد الروم و الأندلس، و بقيت في الأقطار العربية بقاء المريض أشرف على الموت و لم يبق منه إلا رمق ذلك الرمق هو الذي كفله الأزهر و تعهده فغذاه و قواه و رعاه، حتى إذا انجاب عن مصر قتام الحكم العثماني و أراد اللّه لشمس الحضارة أن تشرق مرة أخرى على وادي النيل زايل اللغة الوهن و سرت فيها الحياة، ففي الأزهر كان ملاذها و غياثها، و في الأزهر كان بقاؤها و انبعاثها.
كان الأزهر بعد انتهاء تلك الغمرة باحتلال نابليون، و ابتداء هذه النهضة باستقلال محمد علي، قائد الشعب في الكفاح و رائد الحكومة في الإصلاح، تمثلت قيادته في شيوخه الأجلاء خليل البكري، و عبد الله