مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٤٢٦ - مسائل
(الأمر الثاني) المراد بدفن الميت هو مواراته في الأرض على ما قطع به الأصحاب كما في المدارك و عليه عمل الصحابة و التابعين كما في كشف الالتباس و غيره، فلا يجزى وضعه في التابوت و مثله أو وضعه على الأرض و البناء عليه بناء متقنا، أو في بيت و سد أبوابه سدا محكما- مع التمكن من مواراته في الأرض، و ذلك لعدم صدق الدفن على أمثال ذلك و استظهار الإجماع منهم على اعتبار كون الدفن في حفيرة من الأرض، و لانه المعهود من سيرة المسلمين، و لانه صلى اللّه عليه و سلم دفن المسلمين و دفنوه كذلك، بل يمكن الاستدلال له بالاية الكريمة مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ، حيث ان العود فيها انما هو بجعله فيها لا بوضعه عليها، فاحتمال الاكتفاء بالوضع في تابوت أو مثله بدعوى كون الأمر بالدفن جاريا مجرى العادة لا لخصوصية في المواراة- كما في مصباح الفقيه- ضعيف في الغاية.
(الأمر الثالث) قد ذكر وافى تحديد المواراة كونها على وجه من شأنه حفظ الميت عن ظهور بدنه بفعل السباع أو هبوب الرياح أو نزول المطر و نحو ذلك من العوارض المعتاد تحققها، و حفظ رائحته عن الانتشار، و بعبارة أخرى يوارى في الأرض بحيث يحفظ عن الانس ريحه و عن السباع بدنه و لا يظهر بدنه الا بغير الأسباب العادية كالخسف و الزلزلة و نحوهما. (و يدل على اعتبار ذلك) كما في المدارك قطع الأصحاب و غيرهم بان الواجب من الدفن هو ذلك و لتوقف فائدة الدفن عليه، بل توقف تحقق مسماه عليه، حيث لا يبعد القول بان الدفن لا يتحقق الا بالمواراة على هذا الوجه (و للمروي عن الرضا عليه السلام) انه يدفن لئلا يظهر على الناس فساد جسده و قبح منظره و تغير رائحته و لا يتأذى الأحياء بريحه و ما يدخل عليه من الآفة و الفساد و ليكون مستورا عن الأولياء و الاعداء فلا يشمت عدوه و لا يحزن صديقه، (و لأمر النبي صلى اللّه عليه و سلم) بالمواراة على هذا الوجه.
و هذان الوصفان- اعنى حراسة بدنه عن السباع و كتمان رائحته عن الانتشار متلازمان غالبا، و لكن لو فرض وجود أحدهما بدون الأخر وجب مراعاة تحقق الأخر أيضا، و ذلك لعدم تمامية فائدة الدفن إلا بالأمرين معا.