البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٠ - التوبة آية ١٠٠
قَالَ سُبْحَانَهُ: وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [١]فَالنَّاسُ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ لِسَبْقِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى الْإِيمَانِ أَحَدٌ.
وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ فَهُوَ سَابِقٌ جَمِيعَ السَّابِقِينَ،فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَضَّلَ السَّابِقِينَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ وَ الْمُتَأَخِّرِينَ،فَكَذَلِكَ فَضَّلَ أَسْبَقَ السَّابِقِينَ عَلَى السَّابِقِينَ.
وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [٢]فَهُوَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقّاً،وَ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَ كَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَمُّهُ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ ابْنُ عَمِّهِ،فَقُتِلاَ شَهِيدَيْنِ(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)فِي قَتْلَى كَثِيرَةٍ مَعَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى حَمْزَةَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ مِنْ بَيْنِهِمْ،وَ جَعَلَ لِجَعْفَرٍ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلاَئِكَةِ كَيْفَ يَشَاءُ مِنْ بَيْنِهِمْ،وَ ذَلِكَ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَنْزِلَتِهِمَا وَ قَرَابَتِهِمَا مِنْهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلاَةً مِنْ بَيْنِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا مَعَهُ.
وَ كَذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنِسَاءِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلْمُحْسِنَةِ مِنْهُنَّ أَجْرَيْنِ وَ لِلْمُسِيئَةِ مِنْهُنَّ وِزْرَيْنِ ضِعْفَيْنِ لِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ جَعَلَ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ بِأَلْفِ صَلاَةٍ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ:مَسْجِدَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِمَكَّةَ،وَ ذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ رَبِّهِ.وَ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الصَّلاَةَ عَلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى كَافَّةِ الْمُؤْمِنِينَ،فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ؟فَقَالَ:
قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ.فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْنَا مَعَ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَرِيضَةً وَاجِبَةً.وَ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى خُمُسَ الْغَنِيمَةِ لِرَسُولِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَوْجَبَهَا لَهُ فِي كِتَابِهِ،وَ أَوْجَبَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ،وَ حَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ وَ حَرَّمَهَا عَلَيْنَا مَعَهُ،فَأَدْخَلَنَا-فَلَهُ الْحَمْدُ-فِيمَا أَدْخَلَ فِيهِ نَبِيَّهُ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَخْرَجَنَا وَ نَزَّهَنَا مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَ نَزَّهَهُ عَنْهُ،كَرَامَةً أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا،وَ فَضِيلَةً فَضَّلَنَا بِهَا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادِ.
وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)حِينَ جَحَدَهُ كَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَ حَاجُّوهُ: فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّٰهِ عَلَى الْكٰاذِبِينَ [٣]،فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنَ الْأَنْفُسِ مَعَهُ أَبِي،وَ مِنَ الْبَنِينَ أَنَا وَ أَخِي،وَ مِنَ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ أُمِّي مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً،فَنَحْنُ أَهْلُهُ وَ لَحْمُهُ وَ دَمُهُ وَ نَفْسُهُ،وَ نَحْنُ مِنْهُ وَ هُوَ مِنَّا.
[١] الحشر ٥٩:١٠.
[٢] التوبة ٩:١٩.
[٣] آل عمران ٣:٦١.