البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٤٥ - المائدة آية ٨٥- ٨٢
عمرو بصدر السفينة،و أدركوه،فأخرجوه،فوردوا على النجاشيّ،و قد كانوا حملوا إليه هدايا،فقبلها منهم،فقال عمرو بن العاص:أيها الملك،إن قوما منا خالفونا في ديننا،و سبوا آلهتنا،و صاروا إليك،فردهم إلينا.
فبعث النجاشيّ إلى جعفر،فجاءه [١]،فقال:يا جعفر ما يقول هؤلاء؟فقال جعفر(رضي اللّه عنه):أيها الملك،و ما يقولون؟قال:يسألون أن أردكم إليهم.قال:أيها الملك،سلهم:أ عبيد نحن لهم؟فقال عمرو:لا،بل أحرار كرام.قال:
فسلهم أ لهم علينا ديون يطالبوننا بها [٢]؟قال:لا،ما لنا عليكم ديون.قال:فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها [٣]؟قال عمرو:لا.قال:فما تريدون منا؟آذيتمونا،فخرجنا من بلادكم.
فقال عمرو بن العاص:أيها الملك،خالفونا في ديننا،و سبوا آلهتنا،و أفسدوا شبابنا،و فرقوا جماعتنا، فردهم إلينا لنجمع أمرنا.
فقال جعفر:نعم أيها الملك،خلقنا اللّه،ثم [٤] بعث اللّه فينا نبيّا أمرنا بخلع الأنداد،و ترك الاستقسام بالأزلام، و أمرنا بالصلاة و الزكاة،و حرم الظلم،و الجور،و سفك الدماء بغير حقها،و الزنا،و الربا،و الميتة،و الدم،و لحم الخنزير [٥]،و أمرنا بالعدل،و الإحسان،و إيتاء ذي القربى،و نهى عن الفحشاء،و المنكر،و البغي.
فقال النجاشيّ:بهذا بعث اللّه عيسى بن مريم(عليه السلام).ثم قال النجاشيّ:يا جعفر،هل تحفظ ممّا أنزل اللّه على نبيك شيئا؟قال:نعم.فقرأ عليه سورة مريم،فلما بلغ إلى قوله: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً [٦]و لما سمع النجاشيّ بهذا بكى بكاء شديدا،و قال:هذا و اللّه هو الحق.
فقال عمرو بن العاص:أيها الملك،إنّه مخالف لنا،فرده إلينا،فرفع النجاشيّ يده،فضرب بها وجه عمرو، ثمّ قال:اسكت،و اللّه لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك.فقام عمرو بن العاص من عنده،و الدماء تسيل على وجهه، و هو يقول:إن كان هذا كما تقول أيها الملك،فإنا لا نتعرض له.
و كانت على رأس النجاشيّ وصيفة له تذب عنه،فنظرت إلى عمارة بن الوليد،و كان فتى جميلا،فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة:لو راسلت جارية الملك.فراسلها،فأجابته،فقال له عمرو:قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا.فقال لها،فبعثت إليه،فأخذ عمرو من ذلك الطيب،و كان الذي فعل به عمارة في قلبه،حين ألقاه في البحر،فأدخل الطيب على النجاشيّ،فقال:أيها الملك،إن حرمة الملك عندنا،و طاعته علينا عظيمة،و يلزمنا إذا دخلنا بلاده،و نأمن فيها أن لا نغشه و لا نريبه،و إن صاحبي هذا الذي معي قد راسل [٧] إلى حرمتك،و خدعها،و بعثت إليه من طيبك.ثم وضع الطيب بين يديه،فغضب النجاشيّ،و هم بقتل عمارة،ثمّ قال:
[١] في المصدر:فجاؤا به.
[٢] في«ط»:ديون يطلبون.
[٣] في«س»:دم تطالبونا لهم.
[٤] في المصدر:خالفناهم بأنّه.
[٥] (و لحم الخنزير)ليس في المصدر.
[٦] مريم ١٩:٢٥،٢٦.
[٧] في المصدر:أرسل.