البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٦٥ - التوبة آية ٣٠
أَخَذَ شَرْقاً يَمْشِي إِلَيْهِ،وَ الْآخَرُ غَرْباً،أَ كَانَ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ أَنْ يَلْتَقِيَا مَا دَامَا سَائِرَيْنِ عَلَى وُجُوهِهِمَا؟قَالُوا:لاَ.قَالَ:
فَوَجَبَ أَنْ لاَ يَخْتَلِطَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ،لِذَهَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْآخَرِ،فَكَيْفَ حَدَثَ هَذَا الْعَالَمُ مِنِ امْتِزَاجِ مَا هُوَ مُحَالٌ أَنْ يَمْتَزِجَ؟!بَلْ هُمَا مُدَبَّرَانِ جَمِيعاً مَخْلُوقَانِ.فَقَالُوا:سَنَنْظُرُ فِي أُمُورِنَا.
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ،فَقَالَ:وَ أَنْتُمْ،فَلِمَ عَبَدْتُمُ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟فَقَالُوا:
نَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَالَ:أَ وَ هِيَ سَامِعَةٌ مُطِيعَةٌ لِرَبِّهَا عَابِدَةٌ لَهُ حَتَّى تَتَقَرَّبُوا بِتَعْظِيمِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟قَالُوا:لاَ.
قَالَ:وَ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَنْحِتُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ؟[قَالُوا:نَعَمْ،قَالَ:]فَلَأَنْ تَعْبُدَكُمْ هِيَ-لَوْ كَانَ يَجُوزُ مِنْهَا الْعِبَادَةُ-أَحْرَى مِنْ أَنْ تَعْبُدُوهَا،إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَرَكُمْ بِتَعْظِيمِهَا مَنْ هُوَ الْعَارِفُ بِمَصَالِحِكُمْ وَ عَوَاقِبِكُمْ،وَ الْحَكِيمُ فِيمَا يُكَلِّفُكُمْ.
قَالَ:فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ذَلِكَ اخْتَلَفُوا،فَقَالَ بَعْضُهُمْ:إِنَّ اللَّهَ قَدْ يَحُلُّ فِي هَيَاكِلِ رِجَالٍ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ،فَصَوَّرْنَا هَذِهِ الصُّوَرَ،نُعَظِّمُهَا لِتَعْظِيمِنَا تِلْكَ الصُّوَرَ الَّتِي حَلَّ فِيهَا رَبُّنَا.
وَ قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ:إِنَّ هَذِهِ صُوَرُ أَقْوَامٍ سَلَفُوا،كَانُوا مُطِيعِينَ لِلَّهِ قَبْلَنَا،فَمَثَّلْنَا صُوَرَهُمْ وَ عَبَدْنَاهَا تَعْظِيماً لِلَّهِ.
وَ قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ:إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ وَ أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ،كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ،فَفَاتَنَا ذَلِكَ،وَ صَوَّرْنَا صُورَتَهُ فَسَجَدْنَا لَهَا تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ،كَمَا تَقَرَّبَتِ الْمَلاَئِكَةُ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ كَمَا أُمِرْتُمْ بِالسُّجُودِ بِزَعْمِكُمْ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ فَفَعَلْتُمْ،ثُمَّ نَصَبْتُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ بِأَيْدِيكُمْ مَحَارِيبَ سَجَدْتُمْ إِلَيْهَا، وَ قَصَدْتُمُ الْكَعْبَةَ لاَ مَحَارِيبَكُمْ،وَ قَصَدْتُمْ بِالْكَعْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ إِلَيْهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَخْطَأْتُمُ الطَّرِيقَ وَ ضَلَلْتُمْ،أَمَّا أَنْتُمْ-وَ هُوَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)يُخَاطِبُ الَّذِينَ قَالُوا:إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي هَيَاكِلِ رِجَالٍ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرْنَاهَا،فَصَوَّرْنَا هَذِهِ نُعَظِّمُهَا لِتَعْظِيمِنَا لِتِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي حَلَّ فِيهَا رَبُّنَا-فَقَدْ وَصَفْتُمْ رَبَّكُمْ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقَاتِ،أَ وَ يَحُلُّ رَبُّكُمْ فِي شَيْءٍ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ؟فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ إِذَنْ وَ بَيْنَ سَائِرِ مَا يَحُلُّ فِيهِ مِنْ لَوْنِهِ وَ طَعْمِهِ وَ رَائِحَتِهِ وَ لِينِهِ وَ خُشُونَتِهِ وَ ثِقْلِهِ وَ خِفَّتِهِ؟وَ لِمَ صَارَ هَذَا الْمَحْلُولُ فِيهِ مُحْدَثاً وَ ذَلِكَ قَدِيماً دُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحْدَثاً وَ هَذَا قَدِيماً؟وَ كَيْفَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَحَالِّ مَنْ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الْمَحَالِّ، وَ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ[لاَ يَزَالُ]كَمَا لَمْ يَزَلْ؟فَإِذَا وَصَفْتُمُوهُ بِصِفَةِ الْمُحْدَثَاتِ فِي الْحُلُولِ فَقَدْ لَزِمَكُمْ أَنْ تَصِفُوهُ بِالزَّوَالِ،وَ مَا وَصَفْتُمُوهُ بِالزَّوَالِ وَ الْحُدُوثِ وَصَفْتُمُوهُ [١] بِالْفَنَاءِ،لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْمَعَ مِنْ صِفَاتِ الْحَالِّ وَ الْمَحْلُولِ فِيهِ،وَ جَمِيعُ ذَلِكَ يُغَيِّرُ الذَّاتَ،فَإِنْ جَازَ أَنْ تَتَغَيَّرَ ذَاتُ الْبَارِي عَزَّ وَ جَلَّ بِحُلُولِهِ فِي شَيْءٍ،جَازَ أَنْ يَتَغَيَّرَ بِأَنْ يَتَحَرَّكَ وَ يَسْكُنَ وَ يَسْوَدَّ وَ يَبْيَضَّ وَ يَحْمَرَّ وَ يَصْفَرَّ وَ تَحُلُّهُ الصِّفَاتُ الَّتِي تَتَعَاقَبُ عَلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ وَ يَكُونَ مُحْدَثاً تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَإِذَا بَطَلَ مَا ظَنَنْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي شَيْءٍ فَقَدْ فَسَدَ مَا بَنَيْتُمْ عَلَيْهِ قَوْلَكُمْ.
قَالَ:فَسَكَتَ الْقَوْمُ،وَ قَالُوا:سَنَنْظُرُ فِي أُمُورِنَا.
[١] في المصدر:فصفوه.