البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٠٠ - المائدة آية ٤٢- ٤١
أَمْرَدَ أَبْيَضَ أَعْوَرَ،يَسْكُنُ فَدَكاً،يُقَالُ لَهُ:اِبْنُ صُورِيَا؟قَالُوا:نَعَمْ.قَالَ:فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟قَالُوا:أَعْلَمُ يَهُودِيٍّ بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ)».
قَالَ:«فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَفَعَلُوا،فَأَتَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا،فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ،الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَ فَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ،وَ أَنْجَاكُمْ،وَ أَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ،وَ ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ،وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوَى،هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟ قَالَ ابْنُ صُورِيَا:نَعَمْ،وَ الَّذِي ذَكَرْتَنِي بِهِ لَوْلاَ خَشْيَةُ أَنْ يُحْرِقَنِي رَبُّ التَّوْرَاةِ إِنْ كَذَبْتُ أَوْ غَيَّرْتُ مَا اعْتَرَفْتُ لَكَ،وَ لَكِنْ أَخْبِرْنِي كَيْفَ هِيَ فِي كِتَابِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ:إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ عُدُولٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَهُ فِيهَا كَمَا يُدْخَلُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ.
فَقَالَ ابْنُ صُورِيَا:هَكَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَمَا ذَا كَانَ أَوَّلُ مَا تَرَخَّصْتُمْ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ؟ قَالَ:كُنَّا إِذَا زَنَى الشَّرِيفُ تَرَكْنَاهُ،وَ إِذَا زَنَى الضَّعِيفُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ،فَكَثُرَ الزِّنَا فِي أَشْرَافِنَا حَتَّى زَنَى ابْنُ عَمِّ مَلِكٍ لَنَا فَلَمْ نَرْجُمْهُ،ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَرَادَ الْمَلِكُ رَجْمَهُ،فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ:لاَ،حَتَّى تَرْجُمَ فُلاَناً-يَعْنُونَ ابْنَ عَمِّهِ- فَقَالُوا [١]:تَعَالَوْا نَجْتَمِعْ فَلْنَضَعْ شَيْئاً دُونَ الرَّجْمِ،يَكُونُ عَلَى الشَّرِيفِ وَ الْوَضِيعِ،فَوَضَعْنَا الْجَلْدَ وَ الْتَّحْمِيمَ،وَ هُوَ أَنْ يُجْلَدَا أَرْبَعِينَ جَلْدَةً،ثُمَّ يُسَوَّدُ وَجْهُهُمَا ثُمَّ يُحْمَلاَنِ عَلَى حِمَارَيْنِ،فَيُجْعَلُ وَجْهَاهُمَا مِنْ قِبَلِ دُبُرِ الْحِمَارِ،وَ يُطَافُ بِهِمَا،فَجَعَلُوا هَذَا مَكَانَ الرَّجْمِ.
فَقَالَتِ الْيَهُودُ لاِبْنِ صُورِيَا:مَا أَسْرَعَ مَا أَخْبَرْتَهُ بِهِ،وَ مَا كُنْتَ لِمَا أَثْنَيْنَا [٢] بِهِ عَلَيْكَ بِأَهْلٍ،وَ لَكِنَّكَ كُنْتَ غَائِباً فَكَرِهْنَا أَنْ نَغْتَابَكَ.فَقَالَ لَهُمْ:إِنَّهُ أَنْشَدَنِي بِالتَّوْرَاةِ،وَ لَوْلاَ ذَلِكَ لَمَا أَخْبَرْتُهُ بِهِ.
فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ،وَ قَالَ:أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذَا أَمَاتُوهُ.فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ قَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولُنٰا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّٰا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتٰابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [٣].
فَقَامَ ابْنُ صُورِيَا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ثُمَّ قَالَ:هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِاللَّهِ وَ بِكَ أَنْ تَذْكُرَ لَنَا الْكَثِيرَ الَّذِي أُمِرْتَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ.فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ عَنْ ذَلِكَ،ثُمَّ سَأَلَهُ ابْنُ صُورِيَا عَنْ نَوْمِهِ،فَقَالَ:تَنَامُ عَيْنَايَ،وَ لاَ يَنَامُ قَلْبِي.فَقَالَ:صَدَقْتَ،فَأَخْبِرْنِي عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ شَبَهِ أُمِّهِ شَيْءٌ،أَوْ بِأُمِّهِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ شَبَهِ أَبِيهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ:أَيُّهُمَا عَلاَ وَ سَبَقَ مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبِهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ.قَالَ:قَدْ صَدَقْتَ،فَأَخْبِرْنِي مَا لِلرَّجُلِ مِنَ الْوَلَدِ،وَ مَا لِلْمَرْأَةِ مِنْهُ؟-قَالَ-فَأُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)طَوِيلاً،ثُمَّ خُلِّيَ عَنْهُ مُحْمَرّاً وَجْهُهُ يُفِيضُ عَرَقاً،فَقَالَ:اَللَّحْمُ وَ الدَّمُ
[١] في المصدر:فقلنا.
[٢] كذا في البحار ٢٢:٢٦،و في«س»و«ط»و المصدر:أتينا.
[٣] المائدة ٥:١٥.