البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٩٠ - التوبة آية ٤٧- ٤٤
أَبِي رَمْلاً وَ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَيْهِ،وَ رَأَيْتُ عَيْنَيْهِ قَدِ انْقَلَبَتَا،فَبَكَيْتُ،وَ قُلْتُ لَهُ:يَا أَبَتِ،كَيْفَ أَصْنَعُ بِكَ وَ أَنَا وَحِيدَةٌ؟ فَقَالَ:يَا بُنَيَّةِ،لاَ تَخَافِي فَإِنِّي إِذَا مِتُّ جَاءَكِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ يَكْفِيكِ أَمْرِي،فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي غَزَاةِ تَبُوكَ،فَقَالَ:«يَا أَبَا ذَرٍّ،تَعِيشُ وَحْدَكَ،وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ،وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ،وَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَكَ،يَسْعَدُ بِكَ أَقْوَامٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ،يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وَ تَجْهِيزَكَ وَ دَفْنَكَ».فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَمُدِّي الْكِسَاءَ عَلَى وَجْهِي،ثُمَّ اقْعُدِي عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِ،فَإِذَا أَقْبَلَ رَكْبٌ فَقُومِي إِلَيْهِمْ،وَ قُولِي:هَذَا أَبُو ذَرٍّ،صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَدْ تُوُفِّيَ.
قَالَ:فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الرَّبَذَةِ،فَقَالُوا:يَا أَبَا ذَرٍّ،مَا تَشْتَكِي؟قَالَ:ذُنُوبِي؟قَالُوا:فَمَا تَشْتَهِي؟قَالَ:
رَحْمَةَ رَبِّي.قَالُوا:فَهَلْ لَكَ بِطَبِيبٍ؟قَالَ:اَلطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي.
قَالَتِ ابْنَتُهُ:فَلَمَّا عَايَنَ الْمَوْتَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:مَرْحَباً بِحَبِيبٍ أَتَى عَلَى فَاقَةٍ،لاَ أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ،اللَّهُمَّ خَنِّقْنِي خِنَاقَكَ،فَوَ حَقِّكَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ.
قَالَتِ ابْنَتُهُ:فَلَمَّا مَاتَ مَدَدْتُ الْكِسَاءَ عَلَى وَجْهِهِ،ثُمَّ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِ،فَجَاءَ نَفَرٌ،فَقُلْتُ لَهُمْ:يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ،هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَدْ تُوُفِّيَ.فَنَزَلُوا وَ مَشَوْا وَ هُمْ يَبْكُونَ فَجَاءُوا فَغَسَّلُوهُ وَ كَفَّنُوهُ وَ دَفَنُوهُ،وَ كَانَ فِيهِمُ الْأَشْتَرُ.فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ:دَفَنْتُهُ فِي حُلَّةٍ كَانَتْ مَعِي قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ.
قَالَتِ ابْنَتُهُ:فَكُنْتُ أُصَلِّي بِصَلاَتِهِ،وَ أَصُومُ بِصِيَامِهِ،فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمَةٌ عِنْدَ قَبْرِهِ إِذْ سَمِعْتُهُ يَتَهَجَّدُ بِالْقُرْآنِ فِي نَوْمِي،كَمَا كَانَ يَتَهَجَّدُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ.فَقُلْتُ:يَا أَبَتِ،مَاذَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟فَقَالَ:يَا بُنَيَّةِ،قَدِمْتُ عَلَى رَبٍّ كَرِيمٍ،رَضِيَ عَنِّي وَ رَضِيتُ عَنْهُ،وَ أَكْرَمَنِي وَ حَبَانِي،فَاعْمَلُوا وَ لاَ تَغْتَرُّوا [١]وَ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِتَبُوكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ:اَلْمُضَرَّبُ،مِنْ كَثْرَةِ ضَرَبَاتِهِ الَّتِي أَصَابَتْهُ بِبَدْرٍ وَ أُحُدٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«عُدَّ لِي أَهْلَ الْعَسْكَرِ»فَعَدَّدَهُمْ،فَقَالَ:إِنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفَ رَجُلٍ سِوَى الْعَبِيدِ وَ التِّبَاعِ.فَقَالَ:«عُدَّ الْمُؤْمِنِينَ».فَعَدَّدَهُمْ فَقَالَ:هُمْ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ رَجُلاً.
وَ قَدْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ،وَ قَوْمٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَبْصِرِينَ لَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِمْ فِي نِفَاقٍ،مِنْهُمْ:كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الشَّاعِرُ،وَ مَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ،وَ هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ [٢].فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ،قَالَ كَعْبٌ:مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى مِنِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى تَبُوكَ،وَ مَا اجْتَمَعَتْ لِي رَاحِلَتَانِ قَطُّ إِلاَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،وَ كُنْتُ أَقُولُ:أَخْرُجُ غَداً،أَخْرُجُ بَعْدَ غَدٍ،فَإِنِّي قَوِيٌّ،وَ تَوَانَيْتُ وَ بَقِيتُ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)أَيَّاماً،أَدْخُلُ السُّوقَ فَلاَ أَقْضِي حَاجَةً،فَلَقِيتُ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ وَ مَرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ،وَ قَدْ كَانَا تَخَلَّفَا أَيْضاً،فَتَوَافَقْنَا أَنْ نُبَكِّرَ إِلَى السُّوقِ،وَ لَمْ نَقْضِ حَاجَةً،فَمَا زِلْنَا نَقُولُ:نَخْرُجُ غَداً وَ بَعْدَ غَدٍ.حَتَّى بَلَغَنَا إِقْبَالُ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَنَدِمْنَا.
[١] في المصدر:فاعملي فلا تغتري.
[٢] في«س»و«ط»:الرافعي،تصحيف صوابه ما في المتن،نسبة إلى بني واقف،بطن من الأوّس،انظر أسد الغابة ٥:٦٦ و أنساب السمعاني ٥:٥٦٧.