البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٠ - المائدة آية ٣
شَيْءٍ لِهَيْبَتِهِ مَالِكُ [١] الْأَمْلاَكِ،وَ مُسَخِّرُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ فِي الْأَفْلاَكِ،كُلٌّ يَجْرِي لِأَجْلِ مُسَمًّى،يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ،وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ،يَطْلُبُهُ حَثِيثاً،قَاصِمُ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ،وَ مُهْلِكُ كُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ،لَمْ يَكُنْ لَهُ ضِدٌّ،وَ لاَ مَعَهُ نِدٌّ،أَحَدٌ صَمَدٌ،لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ،وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ،إِلَهاً وَاحِداً وَ رَبّاً مَاجِداً،يَشَاءُ فَيَمْضِي،وَ يُرِيدُ فَيَقْضِي، وَ يَعْلَمُ فَيُحْصِي،وَ يُمِيتُ وَ يُحْيِي،وَ يُفْقِرُ وَ يُغْنِي،وَ يَضْحَكُ وَ يَبْكِي،وَ يُدْنِي وَ يُقْصِي [٢]،وَ يَمْنَعُ وَ يُعْطِي.
لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ،بِيَدِهِ الْخَيْرُ،وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ،وَ يُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ،لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ،مُسْتَجِيبُ الدُّعَاءِ،جَزِيلُ الْعَطَاءِ،مُحْصِي الْأَنْفَاسِ،رَبُّ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ،الَّذِي لاَ تُشْكِلُ عَلَيْهِ لُغَةٌ،وَ لاَ يُضْجِرُهُ الْمُسْتَصْرِخُونَ،وَ لاَ يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ،الْعَاصِمُ لِلصَّالِحِينَ،وَ الْمُوَفِّقُ لِلْمُتَّقِينَ،مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ [٣]،رَبُّ الْعَالَمِينَ،الَّذِي اسْتَحَقَّ مِنْ كُلِّ خَلْقٍ أَنْ يَشْكُرَهُ وَ يَحْمَدَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
أَحْمَدُهُ وَ أَشْكُرُهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ،وَ الشِدَّةِ وَ الرَّخَاءِ،وَ أُؤْمِنُ بِهِ وَ بِمَلاَئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ،فَاسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا لِأَمْرِهِ،وَ بَادِرُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ،وَ سَلِّمُوا لِقَضَائِهِ رَغْبَةً فِي طَاعَتِهِ،وَ خَوْفاً مِنْ عُقُوبَتِهِ،لِأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لاَ يُؤْمَنُ مَكْرُهُ،وَ لاَ يُخَافُ جَوْرُهُ.
أُقِرُّ لَهُ عَلَى نَفْسِي بِالْعُبُودِيَّةِ،وَ أَشْهَدُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ،وَ أُؤَدِّي مَا أَوْحَى إِلَيَّ بِهِ خَوْفاً وَ حَذَراً مِنْ أَنْ تَحِلَّ بِي قَارِعَةٌ لاَ يَدْفَعُهَا عَنِّي أَحَدٌ،وَ إِنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ،وَ صَفَتْ خَلَّتُهُ،لِأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ قَدْ أَعْلَمَنِي إِنْ لَمْ أُبَلِّغْ مَا أَنْزَلَ إِلَيَّ فَمَا بَلَّغْتُ رِسَالَتَهُ،وَ قَدْ ضَمِنَ لِيَ الْعِصْمَةَ،وَ هُوَ اللَّهُ الْكَافِي الْكَرِيمُ،وَ أَوْحَى إِلَيَّ:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي عَلِيٍّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ .
مَعَاشِرَ النَّاسِ،مَا قَصَّرْتُ عَنْ تَبْلِيغِ مَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى،وَ أَنَا مُبَيِّنٌ لَكُمْ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ:إِنَّ جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هَبَطَ إِلَيَّ مِرَاراً ثَلاَثاً،يَأْمُرُنِي عَنِ السَّلاَمِ رَبِّي،وَ هُوَ السَّلاَمُ،أَنْ أَقُومَ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ فَأُعْلِمَ كُلَّ أَبْيَضَ وَ أَحْمَرَ وَ أَسْوَدَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي،وَ هُوَ الْإِمَامُ مِنْ بَعْدِي الَّذِي مَحَلُّهُ مِنِّي مَحَلُّ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي،وَ هُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ،وَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيَّ بِذَلِكَ آيَةً مِنْ كِتَابِهِ: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ [٤]وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَقَامَ الصَّلاَةَ وَ آتَى الزَّكَاةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ يُرِيدُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَ سَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَنْ يَسْتَعْفِيَ لِي مِنْ تَبْلِيغِ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ-أَيُّهَا النَّاسُ-لِعِلْمِي بِقِلَّةِ الْمُتَّقِينَ،وَ كَثْرَةِ الْمُنَافِقِينَ،وَ إِدْغَالِ [٥] الْآثِمِينَ،وَ خَتْلِ [٦] الْمُسْتَهْزِئِينَ،الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُمْ
[١] في المصدر:ملك.
[٢] في«ط»و المصدر:و يدبر فيقضي.
[٣] في«ط»نسخة بدل:و مولى العالمين.
[٤] المائدة:٥:٥٥.
[٥] الدغل:الفساد و المخالفة.«لسان العرب-دغل-١١:٢٤٤».
[٦] الختل:الخداع.«لسان العرب-ختل-١١:١٩٩»،و في«س»:حيل.